محاربة الإرهاب.. الاستباقية والفعالية سر نجاح النموذج المغربي

كتبه كتب في 4 يناير 2021 - 2:00 م
مشاركة

سلط رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، محمد بنحمو ، في حوار مع مجلة (باب) التي تصدرها وكالة المغرب العربي للأنباء شهريا، الضوء على النموذج المغربي في مجال مكافحة الإرهاب، الذي أظهر فعاليته من خلال تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية. ويعزى ذلك إلى اعتماد مقاربة متفردة متعددة الأبعاد في التعامل مع شبح الإرهاب الذي ما يزال مستمرا يطارد جميع بلدان العالم ويهدد الأمن الإقليمي والدولي .

تنبني مقاربة المغرب في محاربة الإرهاب على الاستباقية باعتبارها الجزء المحوري من استراتيجيته لمكافحة هذه الظاهرة، كيف يمكن وصف هذه المقاربة وما مدى نجاعتها؟

تنبني مقاربة المغرب على استراتيجية حقيقية شمولية لمكافحة الإرهاب والتصدي للتطرف وإبعاد شبح الكثير من العمليات الإرهابية عن البلاد . ومن المؤكد أن هذه المقاربة الاستباقية أظهرت نجاعتها التي ي شهد لها عالميا بنتائج هامة، جعلت الكثير من الدول تسعى الى طلب الخبرة التي راكمها المغرب في مجال مكافحة الإرهاب والاستفادة من تجربته .

ويعتمد المغرب على مقاربة متعددة الأبعاد تقوم أساسا على إزالة كل ما يمكن أن يشكل بيئة حاضنة للتطرف، حيث تستند هذه المقاربة على ثلاث ركائز متينة . تتجلى الأولى في مكافحة كل أشكال الفقر وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الهشة التي حاولت في ما مضى التنظيمات المتطرفة استغلال ظروفها . وفي هذا السياق، يمكن القول بأن حصيلة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ساهمت في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الفقيرة وتضييع الفرص أمام التنظيمات المتطرفة التي تستغلها لنشر أفكارها ونموها لتصبح ممارسات إرهابية تهدد أمن الناس .

وتكمن الركيزة الثانية في إعادة هيكلة الحقل الديني التي تمت صيانته بشكل عميق، حيث تم التركيز على إعادة الاعتبار للمساجد وإغلاق كل الأماكن العشوائية التي كانت توظف كأماكن للعبادة، التي لا تليق بكرامة المصلين وبما يمثله الدين الإسلامي كعقيدة مقدسة . وقد تمت إعادة تأهيل الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي من جوامع ومساجد محددة ومعروفة . كما تم أيضا تجديد الخطاب الديني بمراجعة مضامينه في خطب الجمعة، حتى لا تتحول إلى خطب تستخدم الدين كذريعة للسياسة أو تتخذه مطية لخدمة الخطاب الأيديولوجي وبالتالي، يروم هذا التجديد تحصين المساجد من أي استغلال وأدلجة للدين، مع ترسيخ الأمن الروحي للمواطنين ومحاصرة عقائد التطرف.

ومن أهم محطات إعادة الهيكلة، عملية تكوين الأئمة المرشدين والمرشدات التي نجحت في محاربة خطاب الكراهية والتشدد، وجعلت الأئمة يستفيدون من تكوين متين حول مفاهيم الإسلام السمح يقوم على إرساء قيم النص الديني على حقيقتها وبأبعادها الروحية المحضة بعيدا عن أي أساليب كانت تنتهج في السابق، حينما كان أشخاص ينصبون أنفسهم أئمة على الناس . إلى جانب ذلك، توصف هذه العملية التأطيرية بالناجحة نظير ما تلقاه المغرب من طلبات للتعاون من قبل العديد من البلدان التي باتت ترسل عددا من وعظاها وأئمتها إلى المغرب للتكوين والتدريب .

وتتمثل الركيزة الثالثة في الحكامة الأمنية التي تعد الجواب الآني والمستعجل على التهديد الإرهابي، إذ تطورت قدرات وخبرات المصالح الأمنية المغربية بشكل مهم وأصبحت قادرة على فهم ورصد ومواجهة تهديدات الجماعات الإرهابية في إطار خطة استباقية للظاهرة .

ومنذ البداية لم يعط المغرب جوابا وحيدا في التعامل مع الخطر الإرهابي معتمدا فقط على خبرته الأمنية، وإنما اعتمدت فلسفة وروح وذكاء مقاربته في محاربة الإرهاب على الاشتغال بالوقاية من أفكار التطرف من خلال تأهيل الحقل الديني وإطلاق مشاريع تنموية بعيدة المدى موجهة للمناطق المهمشة، مع العمل في المدى القريب على تفكيك الخلايا الإرهابية .

تستعرضون في كتابكم الصادر حديثا ) استراتيجية المغرب في التصدي للإرهاب) تنامي التهديدات الإرهابية في الامتداد الاستراتيجي للمغرب المتمثل في منطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا، ما الذي يمكن للمغرب فعله لمواجهة هذا التنامي؟

نعلم للأسف أن منطقة الساحل والصحراء تشكل منطقة رخوة وبؤرة للعديد من الخلايا الإرهابية، كما أنها تعد منطقة رمادية نظرا لأراضيها الشاسعة والقاحلة التي تشكل بيئة حياتية صعبة على المواطنين . وتواجه بلدان المنطقة صعوبة بالغة في السيطرة على مجموع حدودها الترابية ومواجهة مختلف التحديات والهشاشات الأمنية المزمنة المرتبطة بحالات تمرد أو بالتهديدات الإرهابية المتنامية .

وفي السياق ذاته، تعتبر المنطقة ملاذا للعديد من التنظيمات الارهابية التي انكفت إليها لتعيد هيكلة وتوطيد قواعدها وتعمل على تنفيذ مخططات القتل والتخريب . وقد استفادت التنظيمات في الآونة الأخيرة من جائحة فيروس كورونا التي فرضت على بلدان العالم التركيز على تحقيق الأمن الصحي وترتيب أوضاعها الداخلية مما فتح المجال أمام هذه التنظيمات التي طالما كان تهديدها مباغتا في غياب آليات فعالة للوقاية من العمليات الإرهابية .

واعترافا بكل إنجازات المغرب في هذا الجانب واستراتيجيته الاستباقية المشهود بنجاعتها، تم عرض تجربته في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي وقع مع المملكة اتفاق مقر يتعلق بإحداث مكتب برنامج بالمغرب لمكافحة الإرهاب والتكوين في إفريقيا بما ﻳﺴﻬﻢ في ﺗﻀﺎﻓﺮ الجهود لمحاربة هذه الآفة