خبير فرنسي يكشف خلفيات الاستفزازات الأخيرة لـ”البوليساريو” بالكركرات

كتبه كتب في 13 نوفمبر 2020 - 1:09 ص
مشاركة

يقدم الخبير الجيو-سياسي الفرنسي، أيمريك شوبراد، في حوار خص به وكالة المغرب العربي للأنباء، اليوم الخميس، قراءته للاستفزازات الأخيرة لـ “البوليساريو” بالكركرات، المنطقة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وكذا خبايا وتوقيت مناورات الانفصاليين وسيدتهم الجزائر.

بعد أيام قليلة فقط من اعتماد مجلس الأمن الدولي لقرار يدعم المقاربة المغربية المتعلقة بتسوية قضية الصحراء، وبينما جدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس تأكيده بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء، على أن المغرب لن يتخلى أبدا عن أراضيه وأنه سيواصل تنميتها، تنخرط “البوليساريو”، المدعومة من الجزائر، في أعمال استفزازية تغلق من خلالها معبر الكركرات في منطقة خاضعة لإشراف الأمم المتحدة، منذ بدء سريان تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991، وذلك في تحد صارخ للمجتمع الدولي.

وبالنسبة للمغرب، فإن إغلاق معبر الكركرات، وتدمير الطريق الرابطة بين المركزين الحدوديين المغربي والموريتاني، والاستفزازات ضد أفراد القوات المسلحة الملكية، تشكل انتهاكا جليا لقرارات مجلس الأمن الخمسة الأخيرة.

– سؤال: ما هو رأيك في هذه التطورات الخطيرة؟

أيمريك شوبراد: قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2548 المعتمد في 30 أكتوبر 2020، واضح جدا في هذا الصدد. فهو يهم على الخصوص، ولكن ليس فقط، احترام وقف إطلاق النار وإنهاء أعمال الاستفزاز وزعزعة الاستقرار. ويشاطر القرار نفس القلق المعبر عنه ضمن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، بشأن الانتهاكات المتكررة للاتفاق العسكري والتهديد الذي يحيط بوقف إطلاق النار. أذكر بأن الأمين العام كان قد أشار في تقرير موجه إلى مجلس الأمن إلى أن “البوليساريو” ارتكبت ما لا يقل عن 53 انتهاكا. وفي العام 2018، بموجب القرار 2414، كان مجلس الأمن قد طلب من “البوليساريو” الانسحاب الفوري من منطقة الكركرات العازلة، و”الامتناع عن الانخراط في مثل هذه الأعمال التي تزعزع الاستقرار”.

لذلك من الواضح أن “البوليساريو” تتصرف في انتهاك كامل لجميع قرارات مجلس الأمن الأخيرة، وأن أعمالها تهدف إلى نسف اتفاق وقف إطلاق النار للعام 1991.

– سؤال: لماذا مثل هذه المناورات، في هذا التوقيت الدقيق؟

أيمريك شوبراد: أرى سببين محددين على الأقل لهذه المحاولة الرامية إلى زعزعة الاستقرار من قبل “البوليساريو”. السبب الأول هو أن المغرب في طريقه نحو الظفر بالمعركة في الأمم المتحدة. ومن الجلي، أن التقرير الأخير للأمين العام يسجل ويتفهم شرعية وجهة نظر المغرب ونهجه. “البوليساريو” لا تقبل ذلك، ولكونها “لاعبا سيئا” فهي تحاول مهاجمة الأحكام المتكررة لمجلس الأمن الأممي.

السبب الثاني الواضح هو أن المغرب في طريقه إلى كسب المعركة الدبلوماسية للاعترافات بالسيادة. فاليوم، تعترف جميع دول العالم تقريبا بمغربية الصحراء وتسجل أن المغرب قد نجح، سواء في التنمية الحقيقية لأقاليمه الجنوبية أو الحكم الذاتي الحقيقي. ونحن نعاين تكريس هذه السياسة الثابتة، خلال الآونة الأخيرة، من خلال موجة افتتاح القنصليات الإفريقية والعربية بالأقاليم الجنوبية: بوركينا فاسو، غينيا بيساو، غينيا الاستوائية، زامبيا، جزر القمر، الغابون، ساو تومي وبرينسيب، جمهورية إفريقيا الوسطى، الكوت ديفوار، جيبوتي، بوروندي، غينيا، ليبيريا، الإمارات العربية المتحدة… الدينامية قوية وتثير ذعر قيادات”البوليساريو”.

– سؤال: ما هي قراءتكم لرد فعل المغرب على استفزازات “البوليساريو”؟

أيميريك شوبراد: كما قال ذلك وزير الشؤون الخارجية المغربي، السيد ناصر بوريطة، “ليس هناك من عملية سياسية مع العصابات. ليس هناك من عملية سياسية مع قطاع الطرق”.

إن المغرب حازم في مواقفه المشروعة، ومن ثم، لا يمكنه ترك حدوده مع موريتانيا وعلاقاته الإقليمية مع إفريقيا في وضع غير آمن. وفي ذات الآن، أظهر المغرب منذ فترة طويلة التزامه بضبط النفس، والاعتدال، والتفاوض مع المحاورين الشرعيين على غرار الأمم المتحدة. إنني على ثقة بأن المغرب سيعرف كيف يضبط ردة فعله.

– سؤال: ما هي اللعبة التي تلعبها “البوليساريو” وسيدتها الجزائر؟

أيمريك شوبراد: أنت محق في التذكير بأن “البوليساريو” ليست وحدها، وإلا لما وجدت. هذه المنظمة لم تكن قط صوتا للصحراويين، بل هي تعبير إجرامي لعصابة من الجنرالات، تتحامل من الجزائر العاصمة، على منع أي مصالحة مع الرباط. هؤلاء الناس يجنون أرباحا هائلة من هذا الصراع، وهم بالتالي يتسببون في مأساة جزء من الصحراويين، لاسيما أولئك المحتجزين في مخيمات تندوف. لقد عرض المغرب على الصحراويين مستقبلا في إطار متوازن “الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية”. هل تعتقد أنه عندما يتحدث جلالة الملك محمد السادس عن رغبته في جعل المغرب قوة بحرية عظيمة، فإنه لا يفكر أيضا في ساكنة العيون والداخلة؟، فالأقاليم الجنوبية تسير نحو التحول إلى أقاليم بحرية كبرى، من خلال الصيد البحري، والطاقات البحرية المتجددة، والسياحة…

“البوليساريو” تلعب لعبة خطيرة ومن دون مخرج. وليس أمامها سوى الخسارة.

– سؤال: هل نحن نشهد وضعا يمكن أن يهدد السلم والأمن في المنطقة، دون أن ننسى ما يمكن أن يترتب عنه من تداعيات على الجوار الأوروبي؟

أيمريك شوبراد: في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قبل عشرين عاما، كتبت بالفعل أن تدهور النزاع حول الصحراء ليس بوسعه أن يعود بالنفع إلا على نوعين من الأفراد: المتطرفون الدينيون والمهربون، حيث أن كل واحد منهما لا يمنع الآخر بالضرورة. فنحن لا زلنا هناك. فمن جهة، تقوم الساكنة الصحراوية في الأقاليم الجنوبية التي تتطور وتزداد حداثة بإقامة علاقات مع الدول الإفريقية، في إطار السيادة المغربية، ومن جهة أخرى، يبقى أولئك الذين يظلون إلى جانب التطرف أو التهريب ويخشون أكثر من أي شيء تسوية نهائية لقضية الصحراء.

– سؤال: وما هي مسؤولية الجزائر في كل هذا؟

أيمريك شوبراد: أنا أقول هذا منذ سنوات. أنا شخصيا لا أستهدف الشعب الجزائري. فالشعب الجزائري يستحق أيضا التنمية، والمشاطرة العادلة لثرواته (لاسيما النفط والغاز)، والجوار السلمي مع الشعب المغربي الشقيق. طالما تستمر ثلة داخل دواليب السلطة الجزائرية في اللعب بدميتها القديمة الموروثة من الحرب الباردة، فلن تكون المصالحة الحقيقية ممكنة. الأمر متروك للجزائريين ليستوعبوا أن لديهم مصلحة كبيرة في التوصل إلى تفاهم مع المغرب في إطار اندماج إقليمي بواجهة مزدوجة، متوسطية وأطلسية، عوض الخلاف!