حكاية “القاسم الانتخابي” و”وزيعة” المقاعد البرلمانية بين الأحزاب

كتبه كتب في 9 أكتوبر 2020 - 7:04 م
مشاركة

في الوقت الذي كان من المفروض أن يرافق الدخول السياسي الجديد أجندات واضحة المعالم من طرف الأحزاب للخروج من أزمة الجائحة والمرور بالمغرب إلى بر الأمان، طفا على ساحة المشهد السياسي ، نقاش جديد حول المنظومة الانتخابية للاستحقاقات المقبلة، وظهر مصطلح القاسم الانتخابي لتقسيم الوزيعة الانتخابية، فما هو هذا القاسم الانتخابي، وكيف يحتسب وما رأي المحللين في ذلك؟.

 ورغم النقاش المفتوح حاليا حول هذا المولود الجديد، ظهر عدم توافق بين الأحزاب حول اعتماده في الانتخابات المقبلة، على أساس الناخبين المسجّلين في اللوائح، ففي الوقت الذي تذهب فيه مجموعة من المكونات السياسية لتأييد اعتماده، لم يحسم حزب “العدالة التنمية” رأيه حول هذا الموضوع بشكل قاطع.

وفي هذا الصدد، قال محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، إن النقاش الحالي “يبقى عادياً وغير جديد، على اعتبار أنه عند قرب أي استحقاق انتخابي يثأر النقاش حول النظام الانتخابي برمته من حيث نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي والعتبة وقاعدة توزيع المقاعد”. وأضاف أن التركيز على القاسم أو الخارج الانتخابي يشكل فرصة أخرى لطرح مدى قدرة الآليات الانتخابية على تحقيق العدالة الانتخابية كمدخل لتحقيق التكافؤ والعدالة على مستوى التمثيلية في المؤسسات الدستورية.

وتساءل الأستاذ الجامعي، حول مدى قدرة، اعتماد حساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين باللوائح الانتخابية في الدائرة المعنية مقسوم على عدد المقاعد المخصصة لها، المساعدة على تحقيق العدالة على مستوى التمثيلية السياسية، وبالمقابل عن قدرة اعتماد قاسم الانتخابي على أساس حساب عدد الأصوات الصحيحة، على بلوغ الهدف ذاته، الجواب على هذه المعادلة، يكشف الغالي “يتحقق من خلال معرفة ما الذي يصلح للتجربة المغربية في هاته المرحلة على مستوى طبيعة التمثيلية ذات تكتل أغلبي أم مبلقن”.

وخلص الغالي إلى أن مجموعة من التقارير والدراسات كشفت بأن التمرين السياسي الحزبي في المغرب يحتاج إلى مزيد من ترسيخ الثقة وهاته الثقة لن تتحقق إلا بتيسير تمثيلية الأحزاب في المؤسسات الدستورية بشكل يجعلها تتأهل للعب أدوارها الدستورية طبقا لمقتضيات الفصل السابع من دستور 2011.

من جانبه، يرى الباحث في العلوم السياسية، كريم عايش، أنّ تغيير القاسم الانتخابي يطرح أسئلة جوهرية حول تعامل الأحزاب السياسية مع هذا المعطى، مشيراً أن الأحزاب، ذات التمثيل البرلماني الواسع ترى فيه توجها لإعادة توزيع الخارطة السياسية لإضعاف قوتها، كما تراه غير دستوري وديمقراطي.

في الوقت الذي ترى فيه أحزاب أخرى، يضيف المتحدث “طوق نجاة بعد فشل الاستحقاقات الماضية، وربح مقاعد بالبرلمان، القاسم الانتخابي طريقة جديدة تمكنها من إحراز مقاعد إضافية بالبرلمان، وتحقيق توزيع عادل للكتل الانتخابية بين مختلف الفرقاء.

واعتبر عايش أن طرح هذه الهندسية الاقتراعية، يسائل المبررات الداعية لاعتماد هذا القاسم الجديد، حيث لم يخرج المدافعون عنه رسمياً  بشرح له أو بتوضيح لأسسه و مفاهيمه، مضيفاً أن بروز هذا الاقتراح يؤكّد عدم استقرار الميكانيزمات الانتخابية المغربية وانزلاقها لمعايير ظرفية تفسر حسب أهداف كل حزب.

وأكد عايش غياب أي مبادرة جدية وهامة لمحاربة العزوف الانتخابي وتحسين صورة الأحزاب، مشيراً أن مرحلة الحجر الصحي وما لحقها من أزمات ومشاكل، “يؤكد مرة أخرى بعد الأحزاب عن المشاكل الحقيقية للمواطن وغرقها في الريع والامتيازات والمنافع، فكان طبيعيا ان يمثل القاسم الانتخابي للبعض فرصا لإحراز المقاعد والحقائب والمنافع ولآخرين ضياعا لامتيازات ونفوذ مربح”.

لكن ماذا نعني بالقاسم الانتخابي أو الحاصل الانتخابي؟، إنه المعدل الذي يحتسب على أساسه توزيع المقاعد. والذي كان معمولا به في المغرب، وهو المعمول به في كثير من التجارب الدولية التي تعتمد الاقتراع اللائحي النسبي، أن القاسم الانتخابي يُحتسب على أساس الأصوات المعبر عنها بشكل صحيح، فإذا كان مثلا عدد المسجلين هو 40 ألف، والأصوات المعبر عنها بشكل صحيح هو 20 ألف، وعدد المقاعد المتنافس عليها 4 مقاعد، فالقاسم الانتخابي هو 20000/4 أي 5000. فالحصول على 5000 صوت تعني الحصول على مقعد واحد. لنفترض أن النتائج كانت على الشكل الآتي: اللائحة “أ” حصلت على 10000 صوت، واللائحة “ب” حصلت على 5000 صوت، واللائحة “ت” حصلت على 2500 صوت، واللائحة “ج” حصلت على 1500 صوت، واللائحة “د” حصلت على 1000 صوت، فتوزيع المقاعد سيكون على الشكل الآتي: اللائحة “أ” مقعدان، اللائحة “ب” مقعد واحد، وبتطبيق أكبر بقية ستحصل اللائحة “ت” على مقعد. ولن تحصل اللائحة “ج” و “د” على أي مقعد لأن المتنافس عليه أربع مقاعد.

في حالة اقتسام الحاصل الانتخابي على أساس عدد المسجلين، سيكون الحاصل الانتخابي هو 40000/4، أي 10000 صوتا تعني مقعدا، وهنا ستتغير النتائج بحيث أن اللائحة “أ” لن تحصل إلا على مقعد واحد، وستحصل اللوائح الثلاث (ب وت وج)، رغم أنها لم تبلغ القاسم الانتخابي ولكن باستعمال تقنية أكبر بقية المعمول بها في المغرب، على مقعد لكل واحدة، بما في ذلك اللائحة “ج” التي حصلت على 1500 صوت، ولم تحصل على أي مقعد عند احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد الأصوات المعبر عنها بشكل صحيح.

بعد أن تم توضيح المقصود بالقاسم الانتخابي بشكل مبسط، هذه بعض الملاحظات المرتبطة بما عرفه الموضوع من نقاش في الآونة الأخيرة: أولا: احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية أمر شاذ ولا أساس له في التجارب الدولية المقارنة، إذ يكون احتساب القاسم الانتخابي في جل الدول، التي تعتمد التمثيل اللائحي النسبي، على أساس الأصوات المعبر عنها بشكل صحيح. ثانيا: الهدف من اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين هو تقليص إمكانية حصول حزب معين على مقعدين في نفس الدائرة الانتخابية ومنح حظوظ أكثر للأحزاب الصغرى.

ويمكن القول، بكل وضوح، أن المستهدف هو حزب العدالة والتنمية بالنظر إلى ضعف المشهد الحزبي الحالي. فهذا الحزب حصل في انتخابات 2016 على مقعدين في مجموعة من الدوائر الانتخابية، كدائرة طنجة أصيلة، وأنزكان أيت ملول، ودائرة سيدي يوسف بن علي ودائرة المنارة بمراكش، ومجموعة من الدوائر الانتخابية بمدينة الدار البيضاء، وغير ذلك. ثالثا: بالعودة إلى نتائج 2016 يظهر أن حزب الأصالة والمعاصرة -وعلى افتراض بقاء الأمر على حاله – هو الآخر سيتضرر من اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، بالنظر إلى أنه هو الآخر فاز في بعض الدوائر الانتخابية بمقعدين.

لكن تضرره طبعا سيكون بشكل أقل. ولعل هذا ما يفسر الانقسام بخصوص الموقف من القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في صفوف “البام”. رابعا: اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، وبالنظر إلى ما ينتجه من تقليص الحظوظ في الفوز بمقعدين في نفس الدائرة، سيقلص الفارق في عدد المقاعد بين الأحزاب، كما سيسهم في المزيد من البلقنة؛ إذ أن المقعد الثاني الذي سيخسره الحزب الأول سيذهب في الغالب إلى لائحة لم تكن لها حظوظ للفوز بمقعد لو تم اعتماد القاسم الانتخابي على أساس التصويت.

خامسا: بالعودة إلى مذكرات الأحزاب السياسية التي تم تقديمها بمناسبة مناقشة الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات لا نجد أثرا لاقتراح القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، ففي مذكرة الاتحاد الاشتراكي مثلا لا نجد أي مقترح يتعلق باحتساب القاسم الانتخابي، ونجد في مذكرة أحزاب المعارضة (الاستقلال والبام والاتحاد الاشتراكي) اقتراح احتساب القاسم الانتخابي على أساس الأصوات المعبر عنها. ورغم أن هناك فرق بين الأصوات المعبر عنها، التي تضم الأوراق الملغاة والأوراق البيضاء والأوراق المتنازع حولها، وبين الأصوات المعبر عنها بشكل صحيح، فإن هذا الاقتراح يبقى في دائرة احتساب القاسم الانتخابي على أساس التصويت، وليس على أساس التسجيل في اللوائح.

والسؤال، الذي لا تخفى دلالة طرحه، هو كيف بين عشية وضحاه تحقق شبه الإجماع الحزبي حول احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية؟ سادسا: تم التركيز في ردود الفعل بخصوص القاسم الانتخابي على أساس المسجلين على أن في ذلك مخالفة للدستور، لكن يمكن القول إن الرهان على المحكمة الدستورية لرفض ذلك، يبقى رهانا غير مضمون في غياب نص صريح في الموضوع، خاصة وأن القضاء الدستوري المغربي أجاز أحيانا ما يخالف المنطق الانتخابي السليم باعتبار ذلك حلا استثنائيا ومؤقتا، كما هو الحال مثلا فيما يتعلق بالتصويت العلني أو التمييز الإيجابي.

سابعا: يؤكد النقاش بخصوص الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات التبعية لوزارة الداخلية وضعف الثقافة الديمقراطية لجل الأحزاب السياسية، فمن جهة أولى هناك اختزال للنقاش في مسائل لا يتعدى أثرها التغيير في بعض التوازنات الشكلية وسمات العملية الانتخابية، بعيدا عن أي نقاش بخصوص وظيفة الانتخابات في المغرب ودورها في النسق السياسي.