الكونفدرالية تنتقد الاختيارات الرأسمالية وتدعو لإعادة النظر بشكل جذري في السياسات العمومية المُنتهجة

كتبه كتب في 1 مايو 2020 - 5:02 م
مشاركة

في كلمتها بمناسبة عيد العمال العالمي الذي يصادف فاتح ماي من كل سنة، والذي تخلده المركزية النقابية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل هذه السنة – 2020 – تحت شعار:”مواضلة النضال من أجل إعادة بناء الدولة الاجتماعية لمواجهة أزمات وصدمات المستقبل” أكدت على أن  هذه الجائحة كشفت وبالملموس، زيف شعارات الرأسمالية، وخطورة اختياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. التي حاولت جاهدة منذ تسعينيات القرن الماضي، أن تفرضها على العالم بكل الطرق العنيفة منها والناعمة، مستعملة أذرعها العسكرية (الناتو) والمالية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، فأحلت منطق القوة محل منطق الحوار والتعاون، وذلك من أجل تنميط الإنسان، ونمذجة الاقتصاد العالمي، وتسييد الفكر الواحد، وبناء النظام العالمي الجديد ذي القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة.

وأضافت الكونفدرالية، أن اختيارات الرأسمالية أدت إلى الزج بالعالم في دوامة من الصراعات والحروب بكل أنواعها العسكرية والإعلامية والإلكترونية والتجارية، وتحويل المؤسسات الدولية إلى معبر علني عن مصالح الإمبريالية العالمية. كل ذلك على حساب الدول والشعوب المستضعفة ومصالحها ومقدراتها وحقوقها الأساسية.
و ما يعانيه الشعب الفلسطيني تضيف الكونفدرالية خير تجل لذلك، حيث تواصل الأمبريالية الصهيوأمريكية هجومها على حقوقه التاريخية الشرعية في بناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وبهذه المناسبة جددت الكونفدرالية تضامنها مع الشعب الفلسطيني.
وقالت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إن المغرب ليس بمنأى عن هذه التأثيرات، بحكم تبعيته الاقتصادية للرأسمالية العالمية واختياراتها النيوليبرالية المتوحشة، المفروضة عليه بموجب تقييدات المؤسسات المالية التي يصعب الإفلات من حبائلها بالنظر إلى حجم الديون التي فاقت كل التوقعات والخطوط.
فرغم مرور ما يفوق الستين سنة على الاستقلال، تتابع الكونفدرالية، “لازالت بلادنا تحتل الرتب المتأخرة على مستوى الديمقراطية و حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والتعليم والصحة، وفي المقابل تحتل المراتب المتقدمة فيما يخص الفساد والرشوة وتهريب الأموال. وبالرغم من ذلك لازالت الدولة مصرة على اختياراتها النيوليبرالية للحفاظ على التوازنات المالية على حساب الوضع الاجتماعي للطبقة العاملة وعموم المأجورين و الكادحين. فرفع الدعم عن المواد الأساسية، وما سمي بإصلاح صندوق التقاعد، والتوظيف بالتعاقد والقانون الإطار الخاص بمنظومة التربية والتكوين، ومشروع قانون التكبيلي للحق التاريخي في الإضراب. في مقابل الامتيازات والريع والإعفاءات الجبائية والمرونة في عالم الشغل. كلها تمثل عناصر سياسات عمومية بخلفية نيوليبرالية متوحشة ساهمت في تركيز الثروة في يد فئة صغيرة مقابل تفقير وتهميش فئات واسعة من الشعب المغربي”.
وشددت الكونفدرالية أن “هذا الإصرار الغريب للدولة على الاستمرار في نفس الاختيارات يجعل أسئلة الديمقراطية السياسية، والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ستظل مطروحة علينا وعلى القوى الديمقراطية الوطنية “.
وجاء في كلمة أكدت الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، تأكيدها  “من منطلق مسؤولياتها الوطنية، ومن منطلق كونها قوة احتجاجية واقتراحية تفاوضية، بلورت مجموعة من الرؤى والاقتراحات، سواء حول مشاريع القوانين ذات الصبغة الاجتماعية أو حول قانون مالية 2020 أو حول النموذج التنموي”.
وتابعت الكونفدرالية أن رؤيتها للنموذج التنموي الجديد “كانت شاملة ونسقية تستدمج المرتكزات المنهجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لإرساء مشروع مجتمعي متكامل محوره الإنسان، مدخله سياسي عبر سن حوار وطني شامل يفضي إلى إصلاحات سياسية ودستورية تؤسس لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية من خلال السيادة الشعبية، وفصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفصل المال والسلطة وإقرار الحريات العامة والفردية. ووسائله اقتصادية مالية من خلال العودة للدور المحوري للدولة كفاعل اقتصادي استراتيجي، ومحاربة كل أشكال الفساد والريع و الامتيازات، وتنويع الاقتصاد عبر الأقطاب الكبرى (العام-الخاص-التضامني)، وإنشاء بنك عمومي للاستثمار العمومي من اجل تمويل الاستثمارات ذات البعد الاجتماعي، و إصلاحات ضريبية، وفرض الضريبة على الثروة، ومراجعة الضريبة على الدخل و إصلاح النظام البنكي”.
وتابعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أنها “خاضت معركة شرسة داخل مجلس المستشارين من اجل تعديل مشروع قانون مالية 2020الذي اعتبرناه استمرارية للقوانين السابقة، هدفه الوحيد الحفاظ على التوازنات المالية على حساب المجال الاجتماعي. وفي هذا الصدد لا يسعنا إلا أن ننوه ونثمن عمل المجموعة الكونفدرالية التي استطاعت أن تجبر الحكومة على إشهار الفصل 77 من الدستور لحفظ ماء وجهها ووجه باقي الفرق التي صوتت ضد مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين “.
الوضع المأزوم، التي تشهده البلاد تضيف الكونفدرالية “ستزيد جائحة كوفيد 19 من تعميقه في القادم من الأيام. فلا شك أنكم شاهدتم كما شاهد العالم أجمع بعض البوادر الأولى لنتائج هذه الأزمة العالمية وانعكاساتها السلبية، من بينها الفشل الذريع للدول الرأسمالية في التعاطي مع الوباء، حيث عاد بعضها إلى الأزمان الغابرة من خلال أعمال القرصنة، والانغلاق على الذات، وعودة الحدود بين الدول، والتهافت على المواد الأساسية، وانهيار المنظومات الصحية، وانتفاء قيم التضامن والتعاون بين الدول، والنقص الحاد في المواد والأدوات الطبية والوقائية… وهي كلها مؤشرات تدل من جهة على فشل الشعارات والاختيارات الرأسمالية أمام هذا الوباء”.
ومن جهة أخرى -حسب المصدر نفسه- أشارت كلمة فاتح ماي 2020 “على أن عالما جديدا بدأ في التشكل منذ الآن، ولا نعرف حجم المآسي التي على الإنسانية تحملها مستقبلا في سبيل التحقق النهائي لهذا العالم الجديد. إلا أن ما نعرفه جيدا من خلال المعطيات الأولية وتقارير المنظمات الدولية ومراكز الدراسات والخبراء، أن انعكاسات هذا الوباء ستكون وخيمة على الجانب الاجتماعي وعلى عالم الشغل. مما سيزيد من فجوة التفاوتات القائمة في ظل انعدام أو ضعف الحماية الاجتماعية لثلثي سكان العالم. وهو ما جعل الحركة النقابية الدولية ترفع شعار: “عالم واحد: الشغل، الأجور، الحماية الاجتماعية “.
وسجلت الكونفدرالية أنها تقدمت “باقتراح تطوير مفهوم الحساب الخاص بتدبير جائحة كوفيد 19 بتعويضه بصندوق وطني للطوارئ دائم يخضع إلى آليات الحكامة المتعارف عليها. وطالبت كذلك بضرورة إشراك الحركة النقابية في اتخاذ كل القرارات خاصة المتعلقة بالشغيلة ومجال الشغل، حيث انفردت الدولة، من خلال لجنة اليقظة الاقتصادية، بكل الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية لتدبير الأزمة في تغييب تام للشركاء الاجتماعيين، مستحضرة فقط الفاعل الاقتصادي. ورغم ذلك فقد قدمنا في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مجموعة من الاقتراحات لمواكبة المقاولات التي تعرف صعوبات نتيجة الوضع الحالي، وتوفير شروط الحد الأدنى للعيش للكريم لفائدة الأجراء في القطاعين المهيكل وغير المهيكل ولكل الفئات في وضعية هشاشة”.
وأكدت الكونفدرالية أن  “وضع ما بعد هذه الجائحة سيعمق بلا شك معاناة الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية، التي كانت ولازالت تؤدي الثمن و التضحيات في الأوقات الصعبة. لذا فإن الضرورة الموضوعية تقتضي إعادة النظر بشكل جذري في كل المقاربات والتوجهات التي أطرت السياسات العمومية في السنوات الأخيرة، وبناء نموذج تنموي جديد محوره وغايته الإنسان، مع ضرورة اتخاذ إجراءات وقرارات على المدى القريب والمتوسط تستهدف تحفيز الاقتصاد الوطني والتشغيل ودعم المقاولات الوطنية والقدرة الشرائية، وحماية الأجراء ومأسسة الحوار الاجتماعي التفاوضي الثلاثي الأطراف. كما أن الضرورة تقتضي كذلك إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم معتقلي الحراك الشعبي بالريف وإرجاع كل العمال المطرودين بشكل تعسفي أو لأسباب نقابية”.
وقالت الكونفدرالية ” إن العالم مقبل على تحولات هيكلية غير مسبوقة، وهو ما يتطلب منا طرح الأسئلة المناسبة والبحث في كل المتغيرات وطرح السؤال على أنفسنا ووضعنا لنسير ونساير بثقة ولنكون في الموعد كما نريده نحن، لا كما يريده أصحاب القرار. فلنتنظم لننظم، و لنتعلم لنعلم، و لنتكون لنكون. فالمرحلة المقبلة تتطلب منا تعبئة شاملة، وجاهزية تنظيمية، ويقظة استثنائية، وهذا ما تعودنا عليه ككونفدراليات وكونفدراليين في مثل هذه الأوقات العصيبة. فلنكن في مستوى التحديات، ولندع جانبا كل المعارك والتناقضات الثانوية والهامشية، ولنجعل جهدنا ومجهودنا جميعا في خدمة الوطن والمواطن، دفاعا عن الوحدة الترابية الوطنية واستكمال تحرير الأراضي السليبة، وخدمة للطبقة العاملة وقضاياها العادلة، وما ذلك علينا بعزيز “.
وخلصت الكونفدرالية إلى دعوة الطبقة العاملة وكافة المواطنات والمواطنين إلى المزيد من التضامن الاجتماعي والتكافل، والاستمرار في احترام  كل الإجراءات و التدابير الوقائية. 

هلابريس / متابعة