تم، يوم أمس، تدشين المعلمة المسرحية الكبرى بالرباط، بحضور صاحبات السمو الملكي الأميرات، في مقدّمتهن صاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة للا خديجة، مرفوقة بصاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم وصاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء وصاحبة السمو الملكي الأميرة للا حسناء، وبحضور السيدة بريجيت ماكرون حرم الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون، في لحظة احتفالية وازنة تؤكد دخول العاصمة مرحلة جديدة من الإشعاع الثقافي الدولي وترسخ مكانتها كوجهة للفنون الرفيعة والإبداع العالمي.
هذا الصرح الثقافي، الذي يعد من بين الأكبر والأكثر تطورا على الصعيدين الإفريقي والمتوسطي، لا يختزل في كونه فضاء للعروض الفنية، بل يجسد امتدادا عضويا لرؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، رؤية جعلت من الثقافة أحد أعمدة التحول التنموي، ومن الرباط نموذجا لمدينة حديثة متصالحة مع تاريخها ومنفتحة على المستقبل.
لقد وضع جلالة الملك محمد السادس نصره الله الأسس العميقة لمشروع “مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية”، وهو تصور استراتيجي بعيد المدى أعاد رسم ملامح الرباط، وحرك دينامية حضرية متكاملة تقوم على التوازن بين التنمية الاقتصادية والارتقاء الثقافي، في إطار رؤية شمولية تتجاوز منطق المشاريع المعزولة نحو بناء منظومة حضرية متناسقة ومترابطة.
وفي هذا الإطار، يندرج المسرح الجديد كحلقة مركزية ضمن سلسلة من الأوراش الملكية الكبرى التي غيرت وجه العاصمة، من إعادة تأهيل ضفتي وادي أبي رقراق، إلى تشييد برج محمد السادس كرمز صاعد للحداثة، مرورا بتطوير شبكة النقل الحضري عبر ترامواي الرباط سلا، إلى جانب تثمين التراث المعماري والتاريخي، بما جعل من الرباط مختبرا حضريا متقدما يعكس طموح المغرب في التموقع ضمن المدن العالمية.
ويكشف هذا التراكم النوعي للمشاريع عن عمق الرؤية الملكية وبعد نظرها، حيث لم تبن هذه المنجزات بمنطق الظرفية أو الاستجابة الآنية، بل وفق تخطيط استراتيجي يستشرف المستقبل، ويراهن على الاستثمار في الإنسان والمجال والثقافة كرافعات أساسية للقوة الناعمة. فالمسرح، في هذا السياق، ليس مجرد بناية، بل أداة لإنتاج المعنى، وجسر للتفاعل الحضاري، ومنصة لترسيخ الحضور المغربي في الساحة الثقافية الدولية.
إن القراءة المتأنية لهذه الاستراتيجية تكشف أن جلالة الملك محمد السادس نصره الله يقود تحولا هادئا ولكن عميقا، يقوم على إعادة تعريف دور الثقافة داخل النموذج التنموي، باعتبارها مجالا للإبداع والابتكار، ومصدرا للقيمة المضافة، ووسيلة لتعزيز صورة المغرب كبلد مستقر ومنفتح ومتجدد.
وما يمنح هذا المشروع بعده الحقيقي، هو اندراجه ضمن تصور وطني أشمل، حيث لا تقتصر هذه الدينامية على الرباط، بل تمتد إلى مختلف جهات المملكة، في إطار رؤية ملكية متكاملة تجعل من التقدم والتحديث خيارا استراتيجيا دائما، ومن العدالة المجالية ركيزة لضمان استفادة كل المناطق من ثمار التنمية.
إن تدشين هذا الصرح المسرحي، بحضور الأميرات الجليلات، ليس مجرد حدث ثقافي، بل هو رسالة قوية مفادها أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، يواصل بثبات ترسيخ أسس نهضته الحديثة، جامعا بين عمق الحضارة ورهانات المستقبل، ومؤكدا أن الثقافة تظل في صلب المشروع المجتمعي للمملكة.