تحولت امتحانات البكالوريا في الجزائر من عرس علمي ينتظره الأولياء، إلى تراجيديا وطنية تجمع بين الغش، والحبس، والفضائح التكنولوجية. فلم يعد الطالب يقيس نجاحه بمعدل الذكاء، بل بمدى جودة شبكة الاتصال داخل قاعة الامتحان.
المشهد العام بات يعكس عارا حقيقيا حيث تحولت مراكز الامتحانات إلى ما يشبه الثكنات الأمنية التي تطارد عباقرة الغش الذين يواجهون اليوم عقوبات سجنية مرعبة كانت تفصل سابقا لجرائم السطو الكبرى.
في الوادي، نال ناشر موضوع اللغة العربية ثلاث سنوات حبسا نافذا، وكأن سيبويه بعث من جديد ليحاكمه. أما في العاصمة، فقد شهدنا “التضامن الأخوي” في أبهى تجلياته الساخرة، حيث تعاون مترشح حر مع شقيقته لالتهام الأسئلة وتمريرها عبر “واتساب”، مستعينين بالذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي” للإجابة.
وما هي النتيجة؟ أربع سنوات حبسا نافذا للشقيقين، ليثبتا أن التكنولوجيا في عالمنا العربي لا تستخدم لتطوير العقل، بل لتسريع الدخول إلى الزنزانة.
لم تتوقف الكوميديا السوداء هنا، فالأغواط بدورها سجلت خمسة متهمين نالوا أحكاما تصل لخمس سنوات بسبب رسائل نصية قصيرة، وفي تلمسان كلف إخراج هاتف نقال صاحبه أربع سنوات سجنا بعد تفتيش إلكتروني كشف تسجيلا صوتيا فاضحا. وفي بسكرة، استبدلت طالبة أقراطها بسماعة “بلوتوث” خفية لتتصل بشقيقتها، فانتهى بها المطاف وراء القضبان بتهمة المساس بنزاهة الامتحانات.
هكذا سقط القناع عن المنظومة التعليمية؛ فالبكالوريا لم تعد بوابة للجامعة، بل طريقا مختصرا للمثول الفوري أمام النيابة العامة. استخدام التكنولوجيا الفائقة، من الذكاء الاصطناعي إلى السماعات الخفية، لم يسخر لابتكار حلول علمية، بل لتهريب الأجوبة؛ مما جعل هذا الامتحان مرادفا لجرائم تقنية المعلومات.
إنه لأمر محزن أن يدخل الطلاب القاعات وهم يحلمون بالمستقبل، ليخرجوا منها مصفدي الأيدي، تاركين خلفهم تعليما يحتضر وعارا وطنيا توثقه محاضر الضابطة القضائية.