تمكين المرأة في المشهد السياسي المغربي.. مسار يعكس الرؤية الملكية لتعزيز المناصفة

شكل تعزيز حضور المرأة في المشهد السياسي المغربي أحد التحولات البارزة التي شهدتها الحياة الديمقراطية بالمملكة خلال العقدين الأخيرين، وهو تحول ارتبط بمسار تشريعي ومؤسساتي متدرج، كما ارتبط في العمق برؤية إصلاحية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على تمكين المرأة وإدماجها الكامل في مسارات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فمنذ بداية الألفية الثالثة، شرع المغرب في اعتماد مجموعة من الآليات القانونية والمؤسساتية الرامية إلى تعزيز تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية، في إطار مقاربة تدريجية اعتمدت مبدأ التمييز الإيجابي. وقد شكل اعتماد نظام “الكوطا” سنة 2002 خطوة مفصلية في هذا المسار، حيث تم تخصيص ثلاثين مقعدا للنساء عبر اللائحة الوطنية، ما أتاح لأول مرة ولوج عدد مهم من النساء إلى مجلس النواب المغربي بعد أن ظل حضورهن محدودا للغاية في العقود السابقة.

 ومع توالي الاستحقاقات الانتخابية، تطورت هذه الآلية لتواكب التحولات السياسية والدستورية التي عرفتها البلاد، سواء من خلال توسيع عدد المقاعد المخصصة للنساء أو من خلال الانتقال إلى نظام الدوائر الانتخابية الجهوية الذي يهدف إلى ترسيخ مشاركة نسائية أكثر استدامة في الحياة البرلمانية.

غير أن هذا المسار التشريعي لا يمكن فصله عن الإطار الدستوري والسياسي الذي يؤطره، خاصة بعد اعتماد دستور المغرب 2011 الذي كرس بشكل واضح مبدأ المساواة بين الرجال والنساء والسعي نحو تحقيق المناصفة.

فقد نص الفصل 19 من الدستور على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما أكد التزام الدولة بالعمل على تحقيق مبدأ المناصفة، وإحداث هيئة خاصة بمكافحة كل أشكال التمييز. وقد شكل هذا المقتضى الدستوري مرجعية أساسية لتعزيز حضور النساء في مختلف المؤسسات المنتخبة، وعلى رأسها المؤسسة التشريعية.

ويعكس هذا التوجه، في جوهره، الرؤية الاستراتيجية التي ما فتئ يؤكد عليها جلالة الملك محمد السادس في عدد من خطاباته، والتي تقوم على اعتبار تمكين المرأة شرطا أساسيا لتحقيق التنمية الشاملة.

فالإصلاحات التي عرفها المغرب في مجال حقوق المرأة، سواء على مستوى التشريعات أو السياسات العمومية، تندرج ضمن تصور أوسع يهدف إلى تعزيز مكانة المرأة كشريك كامل في بناء المجتمع، وقد برز هذا التوجه بوضوح منذ إصلاح مدونة الأسرة المغربية سنة 2004، الذي شكل محطة أساسية في مسار تكريس حقوق المرأة وتعزيز مكانتها داخل الأسرة والمجتمع.

وفي السياق ذاته، يندرج تعزيز تمثيلية النساء داخل البرلمان ضمن دينامية أشمل تروم توسيع مشاركة المرأة في تدبير الشأن العام وصناعة القرار السياسي.

 فإلى جانب تطوير آليات الترشيح الجهوي، أقرت المنظومة الانتخابية الجديدة مجموعة من التحفيزات المالية الرامية إلى تشجيع مشاركة النساء والشباب في الانتخابات، من خلال رفع قيمة الدعم العمومي للأحزاب التي تنجح في إيصال مرشحين شباب أو نساء إلى البرلمان، وهو ما يشكل رافعة إضافية لتجديد النخب السياسية وتعزيز حضور الكفاءات النسائية داخل المؤسسات المنتخبة.

كما يعكس اشتراط تمثيلية نسائية ضمن الأعضاء المؤسسين للأحزاب السياسية توجها جديدا يهدف إلى إدماج المرأة في المشروع الحزبي منذ مراحله الأولى، بما يتيح لها فرصا أكبر للتدرج داخل الهياكل التنظيمية للأحزاب واكتساب الخبرة السياسية اللازمة لخوض المنافسة الانتخابية. ويعكس هذا التطور انتقالا تدريجيا من منطق الضمان العددي الذي طبع مرحلة الكوطا إلى مقاربة تسعى إلى ترسيخ ثقافة التنافس السياسي وتعزيز المشاركة النسائية المستدامة في الحياة العامة.

وفي هذا الإطار، لم يعد حضور المرأة داخل المؤسسة التشريعية يقتصر على البعد الرمزي أو العددي، بل أصبح مرتبطا أيضا بمدى قدرتها على الإسهام الفعلي في العمل التشريعي والرقابي والدبلوماسي البرلماني. وقد أظهرت التجربة البرلمانية المغربية خلال السنوات الأخيرة بروز عدد من الكفاءات النسائية التي استطاعت أن تفرض حضورها داخل اللجان البرلمانية وأن تساهم في مناقشة القضايا الكبرى المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الإنسان.

وعلى الرغم من التقدم المحرز، فإن الرهان المستقبلي يظل مرتبطا بمواصلة هذا المسار الإصلاحي وتعزيزه، بما يسمح بانتقال تدريجي من آليات الدعم المؤقت إلى مشاركة سياسية قائمة على تكافؤ الفرص والقدرة التنافسية.

كما يبقى دور الأحزاب السياسية محوريا في هذا المسار، سواء من خلال منح التزكيات للنساء أو تمكينهن من مواقع متقدمة في اللوائح الانتخابية، بما يترجم فعليا روح الإصلاحات الدستورية والتشريعية.

إن تطور حضور المرأة في المشهد السياسي المغربي يعكس دينامية إصلاحية متواصلة، تستند إلى رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس، قوامها جعل تمكين المرأة ركيزة أساسية من ركائز بناء مغرب ديمقراطي حديث.

فإدماج النساء في مراكز القرار لم يعد مجرد مطلب حقوقي أو سياسي، بل أصبح جزءا من مشروع مجتمعي متكامل يهدف إلى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة تقوم على تعبئة جميع الطاقات والكفاءات دون تمييز.

مقالات ذات الصلة

12 مارس 2026

فنلندا تعرب عن تقديرها لريادة جلالة الملك في تعزيز وضع المملكة كشريك موثوق وأساسي للاتحاد الأوروبي

12 مارس 2026

جلالة الملك يهنئ رئيس جمهورية غانا بمناسبة العيد الوطني لبلاده

12 مارس 2026

الركراكي : شكرا لجلالة الملك على دعمه ورؤيته الاستراتيجية في تطور كرة القدم الوطنية

12 مارس 2026

المرأة المغربية في عهد جلالة الملك.. تحولات تاريخية ومكانة متقدمة في المجتمع