أوروبا تعاقب روسيا ولا تستغني عن غازها.. تناقض استراتيجي بكلفة باهظة

كشفت تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن استمرار تدفق الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية مفارقة لافتة في حسابات الطاقة والجغرافيا السياسية؛ فأوروبا التي اختارت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا تقليص اعتمادها على موسكو، وفرضت عليها عقوبات واسعة، لم تتمكن من فك ارتباطها بمصادر الطاقة الروسية بالسرعة التي تقتضيها حساباتها السياسية.

 وبينما تؤكد بروكسل أن التخلص من الاعتماد على روسيا ضرورة استراتيجية وأمنية، تظل إمدادات الغاز الروسي حاضرة في معادلة السوق الأوروبية، بما يطرح سؤالا جوهريا حول الثمن الاقتصادي الذي تدفعه القارة مقابل تحويل الطاقة من سلعة تحكمها اعتبارات العرض والطلب إلى أداة للصراع السياسي.

وقال بوتين، في تصريحات نقلتها وكالة تاس الروسية، إن بلاده لم ترفض تزويد أي طرف بمواردها من النفط والغاز والفحم والمواد الخام المرتبطة بالطاقة، معتبرا أن الدول الأوروبية هي التي اختارت الابتعاد عن السوق الروسية، رغم استمرارها في الحصول على كميات مهمة من هذه الموارد، وأضاف بوتين أن الغاز الطبيعي المسال الروسي لا يزال يستحوذ على حصة تبلغ نحو 20 في المائة من السوق الأوروبية، وفق تقديره.

وتكتسب هذه التصريحات دلالتها من استمرار وجود عقود وإمدادات روسية في أوروبا، رغم أن بيانات المفوضية الأوروبية تشير إلى أن روسيا وفرت نحو 12 إلى 13 في المائة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز خلال سنة 2025، ما يبرز ضرورة التمييز بين حصة الغاز الروسي المسال من سوق الغاز المسال وحصته من مجموع واردات الغاز الأوروبية.

ولا تتعلق المفارقة بمجرد استمرار شراء الغاز الروسي، بل بالتكلفة التي ترتبت على تغيير مسارات الإمداد. فقبل الحرب، استفادت اقتصادات أوروبية من تدفقات الغاز عبر الأنابيب، التي أتاحت نقل كميات كبيرة دون تحمل جميع تكاليف تسييل الغاز وشحنه بحرا ثم إعادة تحويله إلى حالته الغازية عند وصوله. وبعد تراجع الإمدادات الروسية، اتجهت أوروبا إلى تنويع مصادرها، خصوصا عبر الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة، وهو خيار عزز مرونة الإمدادات لكنه زاد تعرض السوق الأوروبية لتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف النقل والمنافسة مع المشترين الآسيويين.

وتشير بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون بين منظمي الطاقة إلى أن الغاز المسال بات يمثل قرابة نصف واردات الاتحاد، فيما أصبحت الولايات المتحدة موردا رئيسيا له.

وفي ظل هذا التحول، تبدو الولايات المتحدة من أبرز المستفيدين من إعادة رسم خريطة الطاقة الأوروبية؛ إذ وسعت صادراتها من الغاز المسال إلى القارة، مستفيدة من تراجع الدور الروسي ومن الاستثمارات الأوروبية في محطات الاستقبال وإعادة التغويز.

غير أن القول إن الغاز الأمريكي يباع دائما بأضعاف سعر الغاز الروسي يحتاج إلى تدقيق، لأن الأسعار تختلف بحسب العقود وتوقيت الشراء وظروف السوق، كما أن الغاز الروسي المسال نفسه يتحمل تكاليف النقل البحري.

لكن الفارق الهيكلي يبقى قائما بين الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز المسال الذي يحتاج إلى التسييل والشحن وإعادة التغويز، وبذلك، لا تقتصر المسألة على استبدال مورد بآخر، بل تشمل انتقال أوروبا إلى منظومة أكثر ارتباطا بالسوق العالمية وأشد تأثرا بتقلباتها.

وتتجلى المفارقة بصورة أوضح عندما توضع فاتورة الطاقة إلى جانب كلفة الموقف الأوروبي من الحرب في أوكرانيا، فالاتحاد الأوروبي يواصل تقديم الدعم المالي والعسكري لكييف، وفي الوقت نفسه يتحمل مستهلكوه وصناعته تبعات سوق طاقة تغيرت بنيتها منذ عام 2022، مع ما يرافق ذلك من ضغوط على القدرة الشرائية وتنافسية القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

ولا يعني ذلك أن ارتفاع كلفة الغاز يمول الدعم المقدم لأوكرانيا بصورة مباشرة، أو أن كل الإمدادات الأمريكية أغلى في جميع الظروف، لكنه يكشف أن الخيارات الجيوسياسية لا تنفصل عن حسابات الاقتصاد، وأن ثمن المواجهة مع موسكو لا تتحمله الحكومات وحدها، بل يمتد إلى الشركات والأسر والأسواق الأوروبية.

وفي المقابل، تراهن بروكسل على أن التخلص التدريجي من الغاز الروسي سيمنحها استقلالا استراتيجيا أكبر ويقلص قدرة موسكو على استخدام الطاقة أداة للضغط السياسي.

 وقد أقر الاتحاد الأوروبي مسارا لإنهاء واردات الغاز الروسي على مراحل، مع استهداف حظر الغاز الطبيعي المسال بموجب العقود طويلة الأجل ابتداء من يناير 2027، وإنهاء واردات الغاز عبر الأنابيب في موعد لاحق من السنة نفسها، وفق الجدول المعتمد.

لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بمجرد اختفاء اسم روسيا من قائمة الموردين، بل بقدرة أوروبا على تأمين بدائل مستقرة وبأسعار تنافسية، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وتخفيف تعرض صناعتها للصدمات الخارجية.

وهكذا، لا تختزل قضية الغاز الروسي في سؤال من يبيع ومن يشتري، بل تعكس صراعا على توزيع كلفة التحولات الجيوسياسية ومكاسبها، فأوروبا تريد معاقبة موسكو وتقليص نفوذها، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى إدارة انتقال طاقي مكلف، فيما تعزز واشنطن موقعها كمورد رئيسي، وتواصل روسيا بيع جزء من إنتاجها إلى الأسواق الأوروبية رغم المسار المعلن للقطيعة.

والمفارقة الأعمق أن القارة التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على خصمها الاستراتيجي قد تجد نفسها أكثر ارتباطا بأسعار الغاز العالمية وبموردين جدد، من دون ضمان أن تكون الطاقة أرخص أو أن تختفي المخاطر السياسية.

لذلك، إنها معادلة تكشف أن العقوبات قد تعيد تشكيل الأسواق، لكنها لا تلغي قوانينها الاقتصادية، وأن الاستقلال الطاقي لا يتحقق بمجرد إعلان القطيعة، بل بتوفير بدائل قادرة على الجمع بين أمن الإمدادات وكلفة مقبولة.

مقالات ذات الصلة

4 نوفمبر 2026

قيوح: برمجة أزيد من 32 مليار درهم لاستثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية سنة 2027

4 نوفمبر 2026

الإعلان رسميا عن العيون – الساقية الحمراء “جهة بدون صفيح”

4 نوفمبر 2026

مع اقتراب الشتاء.. مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي عند أدنى مستوى منذ 2013

4 نوفمبر 2026

عقوبات تأديبية بالجملة بعد أحداث الجولة السادسة من البطولة الاحترافية