الفساد والمراهنات الرقمية.. وجهان لأزمة اجتماعية متفاقمة في جنوب إفريقيا

لم تعد المراهنات الرقمية في جنوب إفريقيا مجرد نشاط ترفيهي أو قطاع اقتصادي سريع النمو، بقدر ما تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تعكس عمق التفاوتات التي تطبع المجتمع الجنوب إفريقي.

ففي مدينة جوهانسبورغ، حيث لا تفصل حي ألكسندرا الصفيحي عن أبراج حي ساندتون، أحد أغنى المراكز المالية في القارة، سوى بضعة كيلومترات، بات حلم الانتقال من مربع الفقر إلى فضاء الثراء، بالنسبة لآلاف الشباب، معلقا على ورقة رهان، أو بالأحرى على ضغطة زر في تطبيق إلكتروني.

وإذا كانت مطاردة حلم الثراء تشكل الأصل التجاري لصناعة القمار والمراهنات عبر العالم، فإن ارتفاع معدلات البطالة وتدهور القدرة الشرائية يشكلان المحفز الأهم لنمو غير مسبوق للقطاع في أمة “قوس قزح”. فمع تقلص فرص ركوب مصعد اجتماعي أصبح الظفر بمراهنة على الأنترنيت، المخرج الوحيد أو يكاد لكثيرين من شراك الأزمة وضنك الفاقة.

وتفيد معطيات المجلس الوطني للقمار في جنوب إفريقيا بأن حجم الأموال المتداولة في القطاع تجاوز 1.5 تريليون راند (نحو 82 مليار دولار)، أي ما يعادل أكثر من 17 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للبلاد، فيما بلغت الإيرادات الصافية للقطاع 75 مليار راند، استحوذت المراهنات الرقمية على أكثر من 70 في المائة منها، متفوقة لأول مرة على الكازينوهات التقليدية.

وعلى صعيد متصل، تشير تقارير استقصائية إلى أن المراهنات عبر الإنترنت سجلت نموا ناهزت نسبته 550 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية، مدفوعة بالتحول الرقمي الذي أعقب جائحة (كوفيد-19)، بينما تظهر تقديرات ميدانية أن واحدا من كل ثلاثة مقامرين معرض للإدمان.

ويربط خبراء في الاقتصاد هذا الإقبال المتزايد بمؤشرات سوق الشغل، حيث تبلغ نسبة البطالة 32.1 في المائة، وترتفع إلى 45.5 في المائة وسط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، وهي الفئة الأكثر استهدافا من قبل منصات المراهنات الرقمية.

وتكشف استطلاعات للرأي أن أكثر من 60 في المائة من المراهنين يقتطعون مبالغ الرهان من ميزانيات مخصصة أصلا للغذاء أو لسداد أقساط القروض، في مؤشر يعكس انتقال المراهنة من نشاط ترفيهي إلى سلوك اقتصادي محفوف بالمخاطر بالنسبة للأسر محدودة الدخل.

وفي المقابل، تؤكد الهيئات التنظيمية أن القطاع يساهم في توفير نحو 14 ألف فرصة عمل مباشرة، كما يدر مداخيل ضريبية بمليارات الراندات لفائدة الخزينة العامة، غير أن السلطات تدرس حاليا مراجعة الإطار القانوني المنظم للنشاط، مع فرض ضرائب جديدة على المنصات الرقمية العابرة للحدود، وسط دعوات متزايدة من منظمات المجتمع المدني لتقييد الإعلانات الموجهة إلى الشباب.

وفي قراءة للأبعاد القانونية للظاهرة، ترى ميشيل فان إيك، عميدة كلية القانون بجامعة ويتواترسراند، في دراستها حول الحكامة الرقمية، والفجوات التشريعية، وحماية المستهلكين والقاصرين في البيئات الافتراضية الناشئة، أن التشريعات الحالية ما تزال تواكب التطورات بدل أن تستبقها، محذرة من استدراج القاصرين والشباب عبر التطبيقات الرقمية، ومن غياب آليات فعالة لمراقبة التمويل الإلكتروني والرهانات المدمجة في الألعاب الرقمية.

أما بيتر كولينز، مؤسس المركز الوطني لدراسات القمار، فيرى أن المراهنات الرقمية تتجاوز الكازينوهات التقليدية من حيث مستوى الخطورة، بسبب ضعف الرقابة المباشرة وسهولة الولوج إليها، مشيرا إلى أن جزءا مهما من العائدات الضريبية يعاد إنفاقه لاحقا لمعالجة التداعيات الاجتماعية والصحية للإدمان.

من جانبه، يصف أستاذ الإحصاء والاقتصاد بجامعة كيب تاون، غراهام بار، القمار بأنه “ضريبة غير مباشرة على الفقراء”، موضحا أن النماذج الإحصائية تثبت وجود ارتباط وثيق بين ارتفاع البطالة وتزايد الإقبال على المراهنات وسط الفئات ذات الدخل المحدود.

بدوره، يرى خايا ديلانغا، الخبير في التسويق والمحلل الاجتماعي، أن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المراهنة من وسيلة للترفيه إلى محاولة يائسة للهروب من الضائقة المالية، وهو ما يجعل الفقر نفسه مادة للاستغلال التجاري.

وتعزز هذه القراءة نتائج أبحاث منصة “يازي” الجنوب إفريقية، التي تعتمد على تطبيق (واتساب) وتقنيات الذكاء الاصطناعي في استطلاعات الرأي، إذ أظهرت أن 72 في المائة من المراهنين يعتقدون أنهم قادرون على التحكم في سلوكهم، بينما يعترف 57 في المائة منهم بالتضحية باحتياجاتهم الأساسية من أجل الاستمرار في المراهنة.

أما بالنسبة لآلاف الشباب التائهين في أزقة ألكسندرا الصفيحية وهم يتطلعون بأنظارهم لأبراج (سانتون) المضيئة، فقد بات من المسلم به أن الترقي الاجتماعي لم يعد رهينا بالتعليم أو العمل، بل أصبح معلقا بضربة حظ، قد يحملها رقم رهان، في إحدى المفارقات بجنوب إفريقيا الحديثة.

مقالات ذات الصلة

4 أغسطس 2026

برقية تهنئة إلى جلالة الملك من الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بمناسبة عيد العرش المجيد

4 أغسطس 2026

برقية تهنئة من جلالة الملك إلى الرئيس السويسري بمناسبة العيد الوطني لبلاده

4 أغسطس 2026

مركز تفكير إيطالي: الخطاب الملكي أبرز تميز المغرب في محيطه الإقليمي

4 أغسطس 2026

الدريوش.. توقيف متورط في أعمال شغب بمحيط مليلية المحتلة