سلطة التشريع الرياضي

كتبه كتب في 19 أكتوبر 2020 - 2:25 م
مشاركة

بقلم : جواد حمضي*

ادا كان التشريع عموما الية للتنظيم والتدبير، حكامته تقاس بتنزيل وتطبيق نصوصه على قدم المساوات، فإن وعي المشرع بأهمية الرياضة بكل اشكالها، دفع به أن يخولها اطار قانوني خاص بها ينظمها ويؤطرها. فبناء على خلاصات تشخيص واقع الممارسة الرياضية ببلادنا سنة 2008 ، التي كشفت عن ضعف هده الممارسة لدى الساكنة، وكدا التراجع المستمر لنتائج الرياضيين في مختلف المحافل وغيرها من النواقص التي تشوبها، وبغاية تجاوز هذه المعيقات و إعطاء انطلاقة جديدة تكفل النهوض بأحوال الرياضة واللحاق بالتجارب الدولية الناجحة، ثم عقد المناظرة الوطنية الثانية حول الرياضة اكتوبر 2008، بعد مرور أكثر من أربعة عقود عن المناظرة الوطنية الأولى حول الرياضة سنة 1965، مناسبة تميزت برسالة ملكية من الجبل الجديد، لما حملته من عبارات صريحة متوجهة للمستقبل، أظهرت للجميع بأن:

1/ أعلى مؤسسة دستورية بالبلاد على علم ومتتبعة لمختلف الاختلالات التي تشوب واقع الرياضة ببلادنا.

2/ عدم رضى ملك البلاد وانتقاده للوضع المقلق لرياضتنا الوطنية من خلال تشخيص شامل لمكامن الخلل الذ يعتري المشهد الرياضي على مختلف المستويات.

3/ رسالة لم يثغيا من خلالها صاحب الجلالة تشخيص الواقع الذي لم يعد خافيا على أحد فحسب، بل كانت كذلك توجيهية داعية إلى بلورة رؤية جديدة معتمدة على خارطة طريق واضحة لتقعيدها وتفعيلها، فحمولتها بقذر ما كانت نقدية كانت اقتراحية متطلعة للمستقبل .

إن هاته المكاشفة والمصارحة التي لامست وسلطت الضوء على مكامن الخلل من بينها إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للرياضة موضوع هده الورقة، كانت تقتضي القطع مع أسباب نزولها وتفعيل مخرجاتها، فما هي درجة تفاعل المتدخلين مع مضامين هده الرسالة و مع خلاصات المناظرة الوطنية الثانية.

ان صدور قانون التربية البدنية والرياضة 30.09، بتاريخ 24 اغسطس 2010 أمر إيجابي وجب التنويه به، كما وجب التنبيه إلى أن قيمته تكمن أكثر في تنزيل مضامينه، وإلزام باقي الهيئات الأخرى على تطبيقه والاحتكام لنصوصه، غير أنه وبعد مرور حوالي عقد من الزمن نجذ عددا من النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيل هذا القانون لم تصدر بعد، وهو ما يطرح إشكالا قانونيا في تطبيقه ، اعتبارا لكون المادة 118 منه تنص على ما يلي: ( تدخل أحكام هدا القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشر النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقه الكامل بالجريدة الرسمية) ، كما أن بعض النصوص التنظيمية الأخرى لتنفيذ هدا القانون لم تجد الإرادة الحقيقية لإصدارها إلا عند سنة 2016 وما بعدها، ومع ذلك لازالت تجد صعوبات في تنزيل مقتضياتها، فمثلا عدد الجامعات الرياضية الحاصلة على التأهيل ، وعدد العصب الجهوية التي قامت بتبليغ نظامها الاساسي للإدارة للتحقق من مطابقته لأحكام قانون 30.09 والنصوص المتخذة لتطبيقه ، إضافة إلى عدد الجمعيات الرياضية الحاصلة على الإعتماد إلى حدود اليوم، دليل على أن مقتضيات هدا القانون لم تجد طريقها نحو التطبيق الفعلي، وأن الهيئات الرياضية لم تتفاعل معه بعد، ولا زالت تمارس أنشطتها ومهامها من خارج النص القانوني المنظم لها، كما أن المساطر التنظيمية القانونية لم تحرك ضدها، فهاته التنظيمات الرياضية اليوم منها من لائمة وضعيتها مع قانون التربية البدنية والرياضة 30.09، وأخري لا زالت تخضع لمقتضيات قانون 06.87، والغالبية منها تكتفي بمقتضيات أحكام الظهير الشريف لسنة 58 بتنظيم حق تأسيس الجمعيات كما وقع تغييره وتتميمه.

ومن التجليات الصارخة لعدم الإكتراث بمقتضيات هدا القانون، البلاغ الأخير لبعض العصب الجهوية لكرة القدم ( علما أن جامعتها كانت أول جامعة رياضية تحصل على التأهيل )، فهاته العصب التي منحها قانون 30.09 مكانة متميزة وأوكل لها عدة مهام، لم تعمل على تسوية وضعيتها وملائمتها مع مقتضياته بعد، بل وتتعامل مع نصوصه وفق أهوائها ومصلحتها، ففي بلاغاتها للإعلان عن انطلاق الموسم الرياضي 2020 – 2021، تلزم الجمعيات المنضوية تحت لوائها والراغبة في تجديد الانخراط والمشاركة في منافساتها، التقيد بمقتضيات قانون 30.09 خاصة ما يتعلق بعقد جموعها العامة العادية طبقا للمادة 18 من النظام الأساسي للجمعيات الرياضية، وفي نفس السياق لا تلزمهم الإدلاء بوثيقة الاعتماد، التي تعد وثيقة إلزامية منصوص عليها ، و اعتراف من السلطة الحكومية المكلفة بالرياضة بأن هدا التنظيم الرياضي في وضعية سليمة اتجاه المقتضيات القانونية، كما أن حق المشاركة في المنافسات والتظاهرات الرياضية التي تنظمها العصب الجهوية بالنسبة للجمعيات منحصرا في المعتمدة منها طبقا للمادة 12 من القانون، فالعصب الجهوية في بلاغها هدا جعلت من مقتضيات قرار وزاري بسن النظام الاساسي للجمعيات كنص تطبيقي للقانون، أسمى وأرقى من القانون نفسه، فبأي منطق يحق للعصب الجهوية ان تختار من هدا القانون ما يناسبها ويتماشى مع رغبات مسيريها، وهل يحق لها أصلا أن تلزم الجمعيات للتقيد بقانون هي أصل في وضعية متنافية مع مقتضياته. إن استمرار هدا الوضع يسيئ لسلطة للتشريع ، ويتطلب تدابير عاجلة لتطبيق القانون من خلال :

– قطاع الشباب والرياضة، جعل الدعم المقدم للجامعات الرياضية والاستفادة من فضاءاتها، منحصرا في تلك التي لائمة وضعية إطارها وهيئاتها المرتبطة بها ( عصب، جمعيات…) مع القانون ونصوصه التنظيمية، كما يلزمها هي الاخرى التجاوب مع الطلبات المقدمة لها في أجالها القانونية وعدم اجتهاد مسؤوليها من خارج النص القانوني.

– – وزارة الداخلية، دعوة ولات وعمال الأقاليم ورؤساء الجماعات الترابية بتطبيق مقتضيات قانون التربية البدنية والرياضة 30.09، فيما يتعلق بالدعم العمومي ،استغلال المنشئات الرياضية، تأسيس أو تجديد هياكل التنظيمات الرياضية.

– – وزارة المالية، عدم تأشير مصالحها الخارجية عن أي دعم عمومي موجه لتنظيم رياضي يوجد في وضعية مخالفة للقانون المنظم له. – – الجامعات الرياضية، عدم اشراك أي تنظيم رياضي في أجهزتها ومنافساتها، مهيكل بشكل مخالف لقانون 30.09.

– – العصب الجهوية، عدم قبول انخراط ومشاركة أي تنظيم رياضي في هياكلها ومنافساتها، إن لم يكن ممتثلا لنصوص القانون. –

ان تنزيل هاته المقترحات سيساهم في تنظيم وتقنين هذا القطاع، فهناك تنظيمات رياضية ستعمل على تسوية وضعيتها مع القانون، لأنها لم تجد من قبل من يلزمها بذلك، وتنظيمات أخرى ستدرك بأن هناك إرادة حكومية وجماعية لتطبيق و احترام القانون، وبالتالي لا مفر من الانضباط والامتثال لمقتضياته ، وكيانات ستغادر المشهد الرياضي لأنه لم يعد هناك مجال للارتجال، ومغادرتها ستكون قيمة مضافة للممارسة الرياضية للتنظيمات الرياضية الجادة.

*إطار بقطاع الشباب والرياضة