الجزائر تحترق و النظام العسكري الفاشل يطارد المغرب: 72 حريقا في يوم واحد و532 قتيلا منذ بداية الصيف

اندلع أمس 26 غشت 2026، ما لا يقل عن 72 حريقا في الجزائر، طالت الغطاء النباتي والغابات والمحاصيل الزراعية، وامتدت إلى محيط تجمعات سكنية، بينما كانت الرياح القوية تدفع ألسنة اللهب نحو البيوت وتفرض إجلاء عائلات في ولاية جيجل.

مشاهد النار القادمة من جيجل وسكيكدة ومناطق أخرى لا تبدو مجرد حرائق موسمية عابرة، إنها لوحة مفزعة لبلد يشتعل من أطرافه، سماؤه سوداء بالدخان، وغاباته تتحول إلى رماد، وممتلكات سكانه تلتهمها النيران أمام أعينهم، فيما تهرع العائلات بحثا عن طريق للنجاة وتخوض فرق الحماية المدنية معركة غير متكافئة ضد ألسنة اللهب والرياح والتضاريس الوعرة.

إنها محرقة هائلة للبشر والشجر والحجر، ليس بالمعنى التاريخي للمصطلح، وإنما بحجم المشاهد المرعبة التي جعلت قرى ومدنا وغابات جزائرية تبدو خلال هذا الصيف كما لو أنها تركت وحيدة في مواجهة الجحيم.

ولم تبدأ الكارثة اليوم، فمنذ 8 يوليوز، سجلت الجزائر أكثر من 1550 حريقا في الغابات والأحراش والمحاصيل والبساتين، وفي 22 يوليوز وحده، أحصت الحماية المدنية 195 حريقا خلال 24 ساعة، ظل 53 منها مشتعلا ساعة صدور الحصيلة.

ففي عنابة، اقتربت النيران من المساكن والمنشآت العمومية، وأتلفت أو ألحقت الضرر بنحو 150 مسكنا، وفرضت إجلاء أكثر من مائة شخص وإخلاء مرضى من مستشفى سرايدي. وفي سوق أهراس، أُجليت 17 عائلة، وفي جيجل وبجاية وسكيكدة والطارف وخنشلة وقالمة والبويرة وتيزي وزو، تكررت المشاهد نفسها، غابات مشتعلة، قرى مهددة، محاصيل محترقة وعائلات تنتظر النجدة.

من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية الجزائرية وفاة ستة أشخاص خلال موجة حرائق الغابات، لكن الفاجعة الأكثر بشاعة وقعت فجر 16 يوليوز الماضي، عندما اشتعل مركز لرعاية الأطفال في المحمدية، في الضاحية الشرقية للعاصمة، فمات 11 طفلا وأصيب 19 آخرون.

أطفال حاصرتهم النيران داخل مؤسسة يفترض أنها أنشئت لحمايتهم. احتاج رجال الإنقاذ والسكان إلى مواجهة ألسنة اللهب وحواجز النوافذ للوصول إليهم، بينما تحولت غرف الرعاية في لحظات إلى فضاء للموت والاختناق. إنها مأساة تختصر فشل منظومة لا تستيقظ إلا بعد وقوع الكارثة، ثم تستبدل الوقاية بلجان التحقيق والتعازي والوعود.

وبذلك يرتفع عدد الوفيات الموثقة في الحرائق الكبرى إلى 17 شخصا على الأقل، بينهم 11 طفلا، فيما لا توجد بعد حصيلة نهائية للخسائر البيئية والزراعية والمادية التي خلفتها آلاف البؤر المشتعلة. لكن النار ليست وحدها ما يحصد أرواح الجزائريين، فالطرقات تحولت بدورها إلى مقابر مفتوحة.

تكشف الحصائل الأسبوعية للحماية المدنية، الممتدة من 31 ماي إلى 22 غشت، وفاة نحو 515 شخصا وإصابة 23,368 آخرين في حوادث السير. أي ما يقارب ست وفيات كل يوم، وعشرات العائلات التي تستقبل يوميا أخبارا عن أب أو أم أو ابن خرج إلى الطريق ولم يعد.

وخلال أسبوع واحد فقط، من 26 يوليوز إلى فاتح غشت، قتل 74 شخصا وأصيب 1951 آخرون. وهي حصيلة لا تشبه أرقام بلد يعيش حياة طبيعية، بل خسائر حرب صامتة تتكرر من دون أن تحظى بحجم الاستنفار الذي تفرضه خطورتها.

وفي 31 يوليوز، انحرفت حافلة كانت تربط سطيف بالعاصمة وسقطت في وادي بمنطقة برحمون الكرمة في بومرداس، فخلفت 28 قتيلا و36 جريحا، وكشف التحقيق أن السائق كان تحت تأثير المخدرات ويسير بسرعة تجاوزت 121 كيلومترا في الساعة على طريق محددة سرعتها في 60 كيلومترا.

وبعدها بيوم واحد، قتل أربعة أشخاص وأصيب 43 آخرون في تصادم حافلة وشاحنة بتيميمون. وفي 6 غشت، سقطت حافلة لنقل العمال في وادي بقسنطينة، فمات ستة أشخاص وأصيب 22 آخرون، وفي 16 غشت، انقلبت حافلة في ولاية النعامة، مخلفة ستة قتلى و31 جريحا.

أربعة حوادث للحافلات خلال نصف شهر فقط حصدت 44 روحا وجرحت أكثر من 130 شخصا، حافلات تنحرف وتنقلب وتسقط في الأودية، وطرقات تفتقر إلى الحواجز والحماية، وسائقون يغامرون بأرواح الركاب، وأجهزة رقابة لا تظهر إلا بعد انتشال الجثث.

وبجمع الحصيلتين، نكون أمام 532 وفاة على الأقل بسبب الحرائق وحوادث السير خلال الفترة المرصودة، من دون احتساب ضحايا الطرق بين 23 و26 غشت أو أي حصيلة جديدة للحرائق المتواصلة.

ومع ذلك، يبدو أن أولويات النظام الجزائري توجد في مكان آخر. فبدلا من تعبئة قدراته لحماية الغابات وتأمين المؤسسات الاجتماعية وإصلاح الطرق ومراقبة النقل الجماعي، يواصل تبديد الوقت والمال والجهد في تصنيع الخصومة مع المغرب وإطلاق الحملات الإعلامية والسيبرانية ضده.

كلما صعد النظام العسكري الجزائري عداءه للمغرب، باغتته كارثة داخلية تفضح هشاشة مؤسساته. وليس ما يصيب الأبرياء “عقابا” لهم، فهم أول ضحايا فشل السلطة. لكن المفارقة الساخرة والقاسية أن نظاما يزعم امتلاك القدرة على محاصرة المغرب وإرباك جيرانه يعجز عن محاصرة حريق، وتأمين مركز للأطفال، وردع حافلة مسرعة أو حماية مسافرين من السقوط في وادي.

لا ينبغي الزعم أن القدر يعاقب شعبا بريئا بسبب قرارات حكامه، لكن الوقائع تحمل رسالة سياسية واضحة، فمن ينشغل بإشعال الحرائق خارج حدوده، مجازيا وإعلاميا، قد يكتشف متأخرا أن النيران الحقيقية تلتهم بيته من الداخل.

مقالات ذات الصلة

27 أغسطس 2026

المغرب يسجل مشاركته الرسمية الأولى في “غيمزكوم 2026” للترويج لمنظومة ألعاب الفيديو دوليا

27 أغسطس 2026

السعيدية على موعد مع الدورة الـ11 لمهرجان “سينما بلا حدود”

27 أغسطس 2026

الصحافي جمال الدين بن العربي من وكالة المغرب العربي للأنباء يتوج بجائزة الصحافة البرلمانية لسنة 2026

27 أغسطس 2026

رئيسة جمهورية البيرو تستقبل السيد الطالبي العلمي