سبتة تهز حسابات سانشيز وتفتح الطريق أمام إعادة رسم خريطة السلطة في إسبانيا

تدخل الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز مرحلة سياسية شديدة الحساسية، بعدما تحولت أزمة سبتة إلى اختبار مباشر لقدرة السلطة التنفيذية على إدارة واحدة من أخطر الأزمات التي واجهتها خلال ولايتها الحالية.

 فمثول سانشيز أمام مجلس النواب في 3 شتنبر المقبل لن يكون مجرد جلسة لتقديم حصيلة حول تدبير تدفق المهاجرين، بل سيكون مناسبة سياسية حاسمة سيحاول خلالها رئيس الحكومة الدفاع عن رواية حكومته في مواجهة اتهامات المعارضة بالتأخر في الاستجابة وضعف التنسيق الأمني والاستخباراتي.

 وقد قرر البرلمان تقديم موعد المثول إلى 3 شتنبر، بدلا من 9 شتنبر الذي اقترحته الحكومة، في ظل ضغوط من قوى سياسية مختلفة للمطالبة بتوضيحات أسرع.

وتزداد صعوبة مهمة سانشيز لأن القضية لم تعد محصورة في ملف الهجرة، بل أخذت أبعادا أمنية وسياسية ودبلوماسية، خاصة مع الجدل حول ما إذا كانت أجهزة الدولة قد توصلت مسبقا بتحذيرات بشأن احتمال حدوث تدفق جماعي نحو سبتة وحول مدى التنسيق بين وزارتي الداخلية والدفاع.

وقد برزت بالفعل تباينات بين روايات وزراء في الحكومة بشأن المعلومات الاستخباراتية التي سبقت الأزمة، وهو ما استغله الحزب الشعبي لتصوير الحكومة على أنها تعاني خللا في إدارة أجهزتها وتضاربا داخل مؤسساتها.

في المقابل، لا تبدو حكومة سانشيز أمام خطر السقوط الفوري بسبب أزمة سبتة وحدها، فالمشهد البرلماني الإسباني شديد التعقيد والحكومة الاشتراكية تعتمد على شبكة من التفاهمات مع أحزاب متعددة لتمرير قراراتها، ما يجعل إسقاطها يتطلب أكثر من مجرد تصعيد سياسي من الحزب الشعبي.

 بل إن سانشيز استطاع، في المرحلة الحالية، تحويل مطلب المعارضة بمثوله أمام البرلمان إلى فرصة لعرض موقف حكومته والدفاع عن إجراءاتها، بعدما أعلنت الحكومة نفسها طلب حضور رئيسها إلى جلسة استثنائية.

 كما رفض الاشتراكيون وحلفاؤهم في مجلس النواب عددا من طلبات الحزب الشعبي لإجبار وزراء الحكومة على المثول بشكل عاجل، في وقت جرى فيه الاتفاق على جلسة خاصة لسانشيز وعدد من وزرائه.

لكن الخطر الحقيقي بالنسبة إلى سانشيز قد لا يأتي من التصويت على الثقة أو من محاولة إسقاط الحكومة في المدى القصير، وإنما من التراكم السياسي، فأزمة سبتة تأتي في بداية موسم سياسي يوصف بأنه الأخير قبل الانتخابات العامة المقررة سنة 2027، في وقت تواجه فيه الحكومة ملفات قضائية وسياسية وضغوطا متزايدة، بينما يحاول الحزب الشعبي بقيادة ألبرتو نونييث فيخو تحويل كل أزمة إلى دليل على فقدان الحكومة السيطرة.

 وإذا تمكنت المعارضة من تثبيت صورة سياسية مفادها أن الحكومة أخفقت في حماية الحدود وإدارة الأزمة والتنسيق بين مؤسسات الدولة، فإن ذلك قد يترك أثراً انتخابيا يتجاوز أزمة سبتة نفسها.

أما الحزب الشعبي، فيبدو أنه أمام فرصة سياسية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يواجه اختبارا خاصا به، فارتفاع منسوب الخطاب حول الهجرة والأمن قد يمنحه زخما انتخابيا، غير أن تحويل أزمة سبتة إلى مواجهة مفتوحة مع المغرب أو إلى خطاب شديد التصعيد قد يحمل مخاطر على الحزب نفسه، خاصة وأن الملف يرتبط بتوازنات أمنية ودبلوماسية معقدة وبعلاقات إسبانيا مع الاتحاد الأوروبي.

وعليه، سيكون الرهان الأساسي لفيخو هو إقناع الناخب الإسباني بأن المشكلة ليست في حجم الأزمة فقط، وإنما في طريقة إدارة حكومة سانشيز لها، وأن الحزب الشعبي قادر على تقديم بديل أكثر صرامة وفعالية من دون الانزلاق إلى خطاب يضاعف التوتر.

لذلك، فإن الحديث عن نهاية حكومة سانشيز بسبب أحداث سبتة يبدو سابقا لأوانه، لكن من الصعب أيضا التعامل مع الأزمة باعتبارها حادثا عابرا يمكن أن يختفي بمجرد عودة الهدوء إلى المدينة.

إن جلسة 3 شتنبر قد تكون بداية معركة سياسية طويلة أكثر منها نهايتها؛ فإذا نجح سانشيز في تقديم رواية متماسكة واحتواء الخلافات داخل حكومته وإعادة الاستقرار إلى سبتة، فقد يحول الأزمة إلى محطة يتجاوزها ويواصل ولايته إلى موعد الانتخابات.

أما إذا ظهرت تناقضات جديدة أو كشفت الجلسات البرلمانية عن إخفاقات يصعب تبريرها، فقد تتحول سبتة إلى نقطة انعطاف في المشهد السياسي الإسباني، تسرع انتقال الناخبين نحو الحزب الشعبي وتضع مستقبل حكومة الاشتراكيين أمام اختبار انتخابي حقيقي في 2027.

مقالات ذات الصلة

27 أغسطس 2026

المغرب يسجل مشاركته الرسمية الأولى في “غيمزكوم 2026” للترويج لمنظومة ألعاب الفيديو دوليا

27 أغسطس 2026

السعيدية على موعد مع الدورة الـ11 لمهرجان “سينما بلا حدود”

27 أغسطس 2026

الصحافي جمال الدين بن العربي من وكالة المغرب العربي للأنباء يتوج بجائزة الصحافة البرلمانية لسنة 2026

27 أغسطس 2026

رئيسة جمهورية البيرو تستقبل السيد الطالبي العلمي