درون مزود بالذكاء الاصطناعي لرصد الطحالب السامة في السدود المغربية

في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها الموارد المائية بالمغرب، لم تعد حماية جودة المياه تقل أهمية عن تعبئة موارد جديدة.

وفي هذا السياق، تبرز التكنولوجيا كأداة جديدة للوقاية والاستباق، من خلال مشروع تطوره بالمغرب فرق تابعة لشركة «كابجيميني»، يقوم على استخدام درون مائي مزود بأجهزة استشعار والذكاء الاصطناعي لرصد تكاثر الطحالب الضارة في السدود قبل أن تصبح ظاهرة بالعين المجردة.

ويحمل المشروع اسم «Algal Bloom Monitoring»، ويهدف إلى الكشف المبكر عن تكاثر الطحالب التي قد تؤثر على جودة المياه، من خلال درون يتحرك على سطح خزانات السدود، ويجمع معطيات بيئية تساعد على تحديد المؤشرات الأولى لظهور هذه الظاهرة، مع إمكانية إرسال تنبيهات عن بُعد إلى الجهات المكلفة بتدبير الموارد المائية.

وتكتسي هذه التقنية أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، في ظل الدور المحوري الذي تضطلع به السدود في تخزين وتوزيع المياه. ووفق المعطيات التي قدمتها «كابجيميني»، شهد عدد من الخزانات خلال السنوات الأخيرة انتشاراً سريعاً للطحالب، التي يمكن أن تنتج مواد سامة وتؤثر على الأنظمة البيئية المائية، فضلاً عن إمكانية انعكاسها على جودة المياه.

ولا تكمن المشكلة فقط في وجود الطحالب، وإنما أيضاً في توقيت اكتشافها. فالرصد البصري التقليدي قد لا يسمح باكتشاف انتشارها إلا بعد وصولها إلى مرحلة تصبح فيها ظاهرة بشكل واضح، وهو ما قد يعني أن جودة المياه بدأت بالفعل في التأثر.

ومن هنا يسعى المشروع إلى تقليص المدة الفاصلة بين بداية تكاثر الطحالب واكتشافها، بما يسمح بالتدخل في وقت مبكر واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من انتشارها.

ويجري تطوير الحل في إطار برنامج «Tech4Positive Futures Challenge» التابع لـ«كابجيميني»، بمشاركة كل من نوفل مجدوب، مدير أول للجودة، وأنس أيت إفلاش، مهندس في إدارة المشاريع، إلى جانب فريق يجمع خبرات في الهندسة الميكانيكية والتصميم والكهرباء والذكاء الاصطناعي.

وسيكون الدرون مجهزاً بأجهزة استشعار بيئية، ونظام للإنذار عن بُعد، وقدرات لمعالجة وتحليل البيانات بواسطة الذكاء الاصطناعي.

ومن المنتظر أن يخضع النموذج الأولي قريباً لتجربة في أحد سدود شمال المغرب، بالتعاون مع وكالة الحوض المائي اللوكوس، دون أن تحدد «كابجيميني» اسم السد المعني أو الموعد الدقيق للتجربة.

وقبل الوصول إلى الحل الحالي، اختبر الفريق، بالتعاون مع باحثين من جامعة محمد الخامس بالرباط، عددا من التقنيات التي يمكن استخدامها للكشف عن تكاثر الطحالب.

وقد تم الاستقرار على تقنية القياس الطيفي «Spectrométrie» باعتبارها من أكثر الوسائل فعالية خلال الاختبارات المنجزة. وتعتمد هذه التقنية على تحليل التفاعلات بين الضوء والمادة، بما يسمح للنظام بالتعرف على خصائص مرتبطة بوجود الطحالب المجهرية.

ويعمل المهندسون بالتوازي على تطوير الخوارزميات التي ستتولى تحليل البيانات والتعرف على المؤشرات المرتبطة بتكاثر الطحالب.

وقبل إرسال الدرون إلى السدود، سيتم اختبار النموذج الأولي داخل مختبرات جامعة محمد الخامس باستخدام عينات حقيقية من المياه.

كما يتم جمع العينات على مدار الفصول الأربعة، بهدف تغطية مختلف مراحل نمو الطحالب وتعريض النظام لظروف بيئية متعددة، بما يساعد على تحسين دقة عملية الكشف.

ولا يقتصر المشروع على الدرون المائي، إذ يعمل الفريق أيضاً على تطوير نماذج تنبؤية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والصور الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية.

وتهدف هذه النماذج إلى تحديد المناطق الأكثر عرضة لظهور تكاثر الطحالب، بما يسمح بالانتقال من مجرد رصد الظاهرة بعد ظهورها إلى اعتماد مقاربة استباقية.

ومن شأن الجمع بين المعطيات الفضائية والرصد المباشر فوق سطح المياه أن يوفر مستويين من المراقبة: الأول للتنبؤ بالمناطق المعرضة للخطر، والثاني للتحقق الميداني عبر الدرون.

وهذا من شأنه منح المسؤولين عن تدبير الموارد المائية وقتاً إضافياً للتدخل واتخاذ الإجراءات المناسبة قبل تفاقم المشكلة.

ويُعد مشروع «Algal Bloom Monitoring» واحداً من ثلاثة مشاريع تم اختيارها ضمن برنامج «Tech4Positive Futures Challenge»، الذي خصصت دورته الحالية لقضايا التنوع البيولوجي.

وتتمثل المبادرة المغربية في تطوير جهاز استشعار قادر على رصد الطحالب المجهرية ومتابعة تكاثرها الضار داخل السدود، بما يساهم في حماية جودة المياه.

كما تم اختيار مشروعين آخرين، أحدهما في الولايات المتحدة ويعمل على تطوير آلية مستدامة لتركيب خراطيش تستخدم في تحليلات الحمض النووي البيئي، والآخر في الهند ويعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات التي تجمعها الطائرات المسيرة لرصد الأنواع الغازية والتعامل معها.

وفي حال أثبتت التجارب الميدانية فعالية هذه التكنولوجيا، فإن استخدامها قد لا يقتصر على السد الأول الذي سيحتضن التجربة.

ويتصور مطورو المشروع إمكانية توظيفها في البحيرات ومصادر مائية أخرى، فضلاً عن إمكانية نقلها إلى دول تعاني بدورها من تحديات مرتبطة بندرة المياه وجودتها.

كما يمكن تكييف التكنولوجيا مستقبلاً لرصد أنواع أخرى من الملوثات، بما في ذلك المواد الهيدروكربونية.

ويفتح هذا المشروع، بذلك، مساراً جديداً أمام المغرب في مجال حماية موارده المائية. فإلى جانب الاستثمارات الكبرى في تعبئة المياه عبر بناء السدود وتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة، أصبحت حماية جودة المياه المتاحة جزءاً أساسياً من منظومة الأمن المائي.

ومن خلال الجمع بين أجهزة الاستشعار والقياس الطيفي والذكاء الاصطناعي والصور الفضائية والدرون المائي، يسعى المشروع إلى جعل مراقبة السدود أكثر استباقية وفعالية.

وفي حال نجاح التجارب المرتقبة في شمال المملكة، قد تمثل هذه التكنولوجيا خطوة إضافية نحو إدارة أكثر ذكاءً للموارد المائية، ليس فقط لحماية النظم البيئية، ولكن أيضاً لضمان جودة المياه في بلد يواجه تحديات متزايدة في مجال الأمن المائي.

مقالات ذات الصلة

20 أغسطس 2026

كأس العالم للسيدات 2027.. الاتحاد الدولي لكرة القدم يكشف عن جدول المباريات

20 أغسطس 2026

فاس.. توقيف 9 أشخاص بينهم قاصران للاشتباه في الإخلال بالحياء وإلحاق خسائر بممتلكات الغير

20 أغسطس 2026

عيد الشباب.. جلالة الملك يصدر عفوه السامي على 667 شخصا

20 أغسطس 2026

البحرية الأمريكية تعزز قدرات المغرب لمراقبة سواحله الشمالية بشبكة اتصالات متطورة