يشهد المشهد السياسي في الجزائر منذ سنوات صراعات داخلية مطبوعة بتنافس الأجنحة داخل أجهزة الدولة، بين المؤسسة العسكرية، والأجنحة المدنية داخل الإدارة، ودوائر القرار السياسي.
لا يقتصر هذا الصراع على نزاعات على مواقع السلطة بل يتسع ليشمل رؤية الدولة تجاه ملفات إقليمية حساسة، ما انعكس بوضوح على علاقات الجزائر الخارجية، من المغرب إلى مالي وليبيا، وصولًا إلى علاقاتها مع دول أوربية وخليجية كفرنسا والإمارات..ذ
في وقت تتزايد فيه المؤشرات على عمق الصراعات داخل دوائر القرار في الجزائر، خرج توفيق بن ناصر، نجل الجنرال الراحل العربي بن ناصر، إلى الواجهة بسلسلة من التصريحات التي تضع المؤسسة العسكرية الجزائرية أمام أسئلة ثقيلة بشأن المال والنفوذ وتداخل المصالح.
ومن خلال حوارات مسجلة مع الصحافي عبدو سمار، يقدم بن ناصر رواية من داخل المنظومة، تتضمن اتهامات خطيرة بوجود شبكات للمحسوبية والإثراء غير المشروع وصراعات محتدمة بين أجنحة السلطة، مؤكدا أن ما يجري خلف الكواليس يتجاوز مجرد خلافات شخصية إلى صراع على النفوذ والثروة ومفاتيح القرار.
من أبرز ما ورد في هذه الشهادات اتهامات بوجود اختلالات مالية واسعة داخل منظومة الإنفاق العسكري، مع حديث عن استفادة مسؤولين نافذين من صفقات وموازنات مرتبطة بقطاع الدفاع.
وفي هذا السياق، يوجه بن ناصر اتهامات إلى الجنرال عبد القادر لشخم، الرئيس السابق لقسم الإشارة والمعلومات، تتعلق باختلاس مبالغ ضخمة عبر ما يصفه بالتلاعب في فواتير معدات الاتصالات العسكرية، إضافة إلى امتلاك حسابات مالية في الخارج.
أهمية هذه الشهادات تكمن في طبيعة الاتهامات نفسها، خصوصا أنها تتعلق بمؤسسة شديدة الحساسية داخل النظام الجزائري، وبأموال مرتبطة بقطاع الدفاع الذي يتمتع بمستوى مرتفع من السرية.
ولم تقتصر رواية بن ناصر على الجانب العسكري، بل تطرقت أيضا إلى ما يعتبره منظومة للمحسوبية يستفيد منها أبناء كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين.
ويقول إن الانتماء إلى عائلة نافذة داخل المؤسسة كان كفيلا بفتح أبواب واسعة أمام النشاط الاقتصادي، من خلال تسهيلات بنكية، ورخص للاستيراد، والاستفادة من العقار والأراضي التابعة للدولة.
كما تحدث عن أبناء الجنرال الراحل أحمد قايد صالح، مؤكدا استفادتهم من نفوذ والدهم في بناء مصالح اقتصادية في مجالات متعددة.
وتطرق أيضا إلى قضية نجل الرئيس عبد المجيد تبون، خالد تبون، في سياق قضية الكوكايين التي ارتبطت بحجز كمية كبيرة من المخدرات في ميناء وهران، معتبرا أن مسار القضية يعكس طبيعة الحماية التي تحيط ببعض أبناء النخب الحاكمة.
وتقدم شهادة بن ناصر قراءة أكثر اتساعا لطبيعة الصراع داخل النظام، إذ يرى أن ملفات الفساد لا تُستخدم دائما بهدف تحقيق العدالة، وإنما قد تتحول إلى أوراق ضغط في الصراع بين مراكز النفوذ.
وبحسب روايته، فإن ملفات مسؤولين عسكريين يمكن أن تظل مغلقة طالما بقي أصحابها داخل دائرة النفوذ، قبل أن يعاد فتحها عندما تتغير موازين القوى أو يفقد أحد الجنرالات موقعه داخل هرم السلطة.
هذه القراءة تضع ما يحدث داخل المؤسسة العسكرية في إطار صراع أجنحة، حيث تتحول الملفات المالية والقضائية إلى أدوات لتصفية الحسابات وإعادة توزيع النفوذ، بدلا من أن تكون حصرا جزءا من منظومة مكافحة الفساد.
ومن أكثر الجوانب حساسية في شهادات بن ناصر حديثه عن التغييرات المتكررة التي عرفتها أجهزة الاستخبارات الجزائرية خلال السنوات الأخيرة.
ويشير إلى إبعاد عدد كبير من المسؤولين الأمنيين منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى السلطة، معتبرا أن هذه التغييرات تعكس حالة من عدم الثقة والصراع المستمر بين مختلف مراكز القرار.
كما يربط ما تعرضت له عائلته بهذه الصراعات الداخلية، متحدثا عن توقيف أو ملاحقة أفراد من عائلته كانوا يشغلون مواقع داخل الجيش والشرطة، وهو ما يقدمه باعتباره محاولة لمنع تسرب معلومات حساسة حول طريقة اشتغال النظام.
وتكتسب تصريحات توفيق بن ناصر حساسيتها من كونه ينحدر من عائلة مرتبطة تاريخيا بالمؤسسة العسكرية، الأمر الذي يمنح شهادته بعدا مختلفا، حتى وإن كانت بعض اتهاماته تحتاج إلى أدلة مستقلة للتحقق منها.
فالمسألة لا تتعلق فقط باتهامات بالفساد، وإنما بصورة نظام سياسي يقوم، وفق الرواية التي يقدمها، على تداخل غير واضح بين السلطة العسكرية والنفوذ الاقتصادي والمصالح العائلية.
وتضع هذه التصريحات صورة المؤسسة العسكرية الجزائرية أمام اختبار جديد، خصوصا أن صاحبها ينتمي إلى عائلة ارتبطت بالمؤسسة لعقود، ما يمنح شهادته بعدا خاصا.
وبين اتهامات الفساد وتصفية الحسابات السياسية والصراعات داخل الأجهزة، تعيد شهادة بن ناصر فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين السلطة العسكرية والاقتصاد في الجزائر، وحول مدى قدرة مؤسسات الدولة على ضمان الشفافية والمساءلة في الملفات التي تمس مراكز النفوذ العليا.
وتبقى تصريحات بن ناصر واحدة من الشهادات التي تسلط الضوء على التوترات الخفية داخل منظومة الحكم الجزائرية، وتطرح أسئلة متجددة حول حدود النفوذ العسكري، وآليات إدارة المال العام، ومستقبل الصراع بين الأجنحة داخل دوائر القرار.