وكالة الانباء التونسية: في الجزائر المطلب واحد ووحيد: استئصال النظام الحاكم الحالي من جذوره

أثار ظهور مادة صحفية قديمة على موقع وكالة تونس إفريقيا للأنباء، اليوم الأربعاء 12 غشت 2026، تساؤلات بشأن خلفيات إعادة إدراج مقال يعود في الأصل إلى 13 مارس 2019، أي إلى ذروة الحراك الجزائري ضد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. فالمادة، التي تحمل عنواناً بالغ الدلالة هو «في الجزائر، المطلب واحد ووحيد: استئصال النظام الحاكم الحالي من جذوره»، لا تتناول حدثاً راهناً، بل تنقل شهادات جزائريين طالبوا آنذاك برحيل بوتفليقة وإنهاء منظومة الحكم التي أحاطت به.

وتزداد دلالة ظهور هذا النص في هذا التوقيت بالنظر إلى أن الجزائر لم تعد تحكمها شخصية بوتفليقة، الذي توفي في سبتمبر 2021، بل عبد المجيد تبون، الذي وصل إلى الرئاسة في ديسمبر 2019. وبالتالي فإن إعادة إبراز مادة تتحدث عن «استئصال النظام الحاكم» وتصفه آنذاك بالعاجز والفاسد، يمكن أن تثير، على الأقل من الناحية الإعلامية والسياسية، تساؤلات حول الرسالة التي قد يفهمها المتلقي من إعادة تقديم هذا المحتوى القديم في واجهة المشهد اليوم.

واللافت أن إعادة ظهور المادة تأتي بعد أقل من أسبوعين من الجدل الواسع الذي أثارته تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس. ففي 28 يوليوز الماضي، أكد تبون أن الجزائر لن تسمح باستهداف تونس، وقال بلهجة حادة إن من «يجلب الإرهاب إلى تونس أو إلى جوار تونس» ستُهدم «خيمة والديه». وقد نقلت وكالة الأنباء الجزائرية التصريحات في سياق تأكيد تبون أن الجزائر «لن تؤذي جيرانها أبداً» وأن الإرهاب ليس قدراً محتوماً في إفريقيا.

غير أن التصريحات لم تمر مرور الكرام في تونس، إذ اعتبرها بعض السياسيين والمعلقين تدخلاً في الشؤون الداخلية ومساً بالسيادة التونسية، فيما رأى آخرون أنها تندرج في إطار التعاون الأمني بين البلدين. ونقلت وسائل إعلام تونسية وعربية مواقف اعتبرت أن لغة تبون توحي بنوع من الوصاية على تونس، خصوصاً أن المؤسسات العسكرية والأمنية التونسية هي المعنية دستورياً بحماية البلاد.

هنا تكتسب المادة القديمة أهمية رمزية. فهي تعود إلى مرحلة كان فيها الشارع الجزائري يرفع شعار تغيير النظام، وليس مجرد تغيير الرئيس. وفي شهادات نقلتها «وات» آنذاك، تحدث جزائريون عن رفضهم لبقاء بوتفليقة وعن اعتقادهم بأن الرئيس لم يعد يمارس السلطة بصورة مباشرة، بينما طالب آخرون برحيل «رموز النظام» وإنهاء منظومة الحكم القائمة.

واللافت أن بعض التحليلات السياسية اللاحقة للحراك الجزائري خلصت إلى أن استقالة بوتفليقة لم تعنِ بالضرورة حدوث قطيعة كاملة مع بنية السلطة السابقة. فقد اعتبر تحليل نشره معهد واشنطن في يوليوز 2019 أن القيادة العسكرية كانت صاحبة النفوذ الفعلي وأن الانتخابات مثلت بالنسبة إليها وسيلة لإعادة إنتاج قدر من الاستمرارية داخل النظام، بعد تفكيك جناح بوتفليقة.

ومن هذه الزاوية، فإن إعادة نشر نص من مارس 2019 في 2026، حتى وإن كانت نتيجة إعادة فهرسة تقنية أو تدوير أرشيفي، تضع أمام القارئ مقارنة تلقائية بين جزائر الحراك وجزائر تبون: رئيس تغير، لكن النقاش حول طبيعة النظام وعلاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة السياسية لم يختف من الأدبيات والتحليلات المتعلقة بالبلاد.

الأكثر إثارة هو أن المادة لم تظهر في فراغ سياسي. فقد جاء تداولها بعد موجة نقاش تونسية حول تصريحات تبون، التي فُهمت لدى منتقديه على أنها تتجاوز حدود التضامن بين دولتين إلى لغة توحي بأن الجزائر تعتبر أمن تونس امتداداً مباشراً لأمنها القومي.

وقد عكست ردود الفعل المنشورة في تونس هذا الانقسام بوضوح. فهناك من اعتبر تصريحات تبون تعبيراً عن التضامن بين بلدين تجمعهما حدود طويلة ومصالح أمنية مشتركة، في حين رأى آخرون أنها توحي بأن الجزائر تتحدث من موقع الدولة الوصية على جارتها. ونقلت «العربي الجديد» عن متحدث باسم حركة سياسية تونسية قوله إن حماية تونس موكولة إلى جيشها وأجهزتها الأمنية، وإن تدخل أي دولة أخرى يفترض أن يكون بناء على طلب تونسي.

كما وصفت قراءة إعلامية أخرى التصريحات بأنها تعكس توتراً إقليمياً يتجاوز البعد الأمني، مشيرة إلى أن توقيتها جاء في ظل نقاش سياسي واجتماعي داخلي في تونس.

من الصعب الجزم بأن وكالة تونس إفريقيا للأنباء تعمدت إعادة نشر المادة القديمة كرد مباشر على تبون من دون وجود دليل تحريري صريح من الوكالة يربط بين الأمرين. فالمادة مؤرخة أصلاً في 2019، ومن المحتمل تقنياً أن يكون ظهورها نتيجة إعادة فهرسة أو تحديث للأرشيف.

12tunisieSans titre 1

لكن، في المقابل، التزامن الزمني يجعل إعادة إدراجها قابلة للقراءة السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوكالة أنباء رسمية، وليس بموقع شخصي أو منصة مجهولة. فاختيار مادة أرشيفية بهذا العنوان تحديداً، بعد أيام من أزمة إعلامية وسياسية حول تصريحات الرئيس الجزائري بشأن تونس، يمنحها حمولة تتجاوز قيمتها التاريخية البحتة، حتى لو لم يكن هناك قرار معلن بإعادة نشرها لأسباب سياسية.

والأهم أن العنوان نفسه لا يقول «الحراك الجزائري سنة 2019» أو «أرشيف»، وإنما يركز على عبارة «استئصال النظام الحاكم الحالي من جذوره». لذلك، إذا ظهرت المادة ضمن محتوى حديث دون إبراز واضح لتاريخها الأصلي، فإن القارئ قد يتعامل معها باعتبارها موقفاً راهناً، وهو ما يخلق أثراً سياسياً مختلفاً تماماً عن مجرد حفظ الذاكرة الصحفية.

قد تكون الرسالة الأكثر ذكاءً، إن كان وراء إعادة الإدراج اختيار تحريري مقصود، ليست مهاجمة تبون مباشرة، وإنما إعادة وضع خطابه الحالي أمام مرآة الماضي الجزائري.

فالرئيس الجزائري يتحدث اليوم عن حماية تونس وعن رفض أي تهديد لأمنها، في حين تعيد الوكالة التونسية إلى الواجهة مادة أرشيفية تسجل، بصوت جزائريين، مطالب بتغيير جذري للنظام السياسي في الجزائر نفسها.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: السلطة التي تتحدث اليوم بلهجة حازمة عن أمن الجار التونسي، كانت قبل سبع سنوات تواجه شارعاً جزائرياً يطالب برحيل النظام وتغيير بنيته.

12.08.2026 09.16.51 REC

ولا يعني ذلك أن تونس تتبنى بالضرورة مضمون المقال القديم أو أنها توجه رسالة رسمية إلى تبون. لكنه يجعل توقيت ظهوره قابلاً للتأويل، خصوصاً في سياق حساس تشهد فيه العلاقات التونسية الجزائرية نقاشاً حول حدود التضامن الأمني وحدود احترام السيادة.

وفي النهاية، تبقى المسألة الأكثر دقة هي معرفة هل قامت «وات» فعلاً بإعادة نشر المادة يدوياً في 12 غشت 2026، أم أن نظام الأرشيف أو الفهرسة أعاد دفعها تلقائياً إلى الواجهة؟ فإذا ثبت أنها عملية تحريرية مقصودة، فإن توقيتها، بعد تصريحات تبون المثيرة للجدل في تونس، سيمنحها دلالة سياسية وإعلامية أكبر بكثير من مجرد استعادة مادة من أرشيف 2019.

مقالات ذات الصلة

12 أغسطس 2026

في مواجهة حرائق الغابات.. القوات المسلحة الملكية تعبئ قدراتها الجوية والعملياتية

12 أغسطس 2026

طنجة المتوسط يواصل تحطيم الأرقام القياسية ويعزز موقعه في قلب التجارة العالمية

12 أغسطس 2026

صحيفة فرنسية تبرز أكادير والسعيدية كوجهتين بديلتين بأسعار تنافسية

12 أغسطس 2026

حركة واسعة في صفوف عناصر الأمن الوطني.. 3276 موظفا استفادوا من الانتقالات