يعكس إعلان المعهد الجزائري للتقييس عن إعداد مواصفات تقنية دقيقة لحماية سلالات الأغنام الأربع، مفارقة صارخة وسريالية في فقه الأولويات في عقل النظام الحاكم.
ذك أمه يتم تسخير طاقات البحث العلمي واللجان الفنية لسنوات طوال من أجل توثيق الخصائص الشكلية والسلوكية للماشية وحماية نقائها الوراثي، في وقت يُترك فيه المواطن الجزائري وحيدا في مواجهة منظومة صحية متهالكة، يعجز فيها عن إيجاد أبسط الأدوية الحيوية في المستشفيات والصيدليات.
هذا الاهتمام المبالغ فيه بهوية الأغنام وسلالاتها يكشف عن فجوة أخلاقية وتسييرية عميقة تفصل صناع القرار عن الواقع المرير في الشارع الجزائري؛ فالمواطنون يواجهون اليوم زحفا مخيفا للأمراض الفتاكة، وعلى رأسها داء السرطان الذي يلتهم أجساد الآلاف وسط ندرة حادة في تخصصات العلاج الإشعاعي والأدوية الكيماوية المبتكرة.
وفي الوقت الذي تفتخر فيه المؤسسات بإصدار مواصفات قياسية للحيوان، تفتقر المستشفيات إلى أدنى المعايير الإنسانية لرعاية المرضى الذين يقضون في طوابير الانتظار والموت البطيء.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود القطاع الصحي، بل تمتد لتشمل غياب أي استراتيجيات علمية حقيقية ومماثلة لمواجهة الآفات الاجتماعية والبيولوجية التي تنخر فئة الشباب، وفي مقدمتها غزو المخدرات والمؤثرات العقلية التي باتت تهدد الأمن القومي والأسرى.
إن مقاربة السلطة التي تقدم أمن المواشي وتصنيف جيناتها على الأمن الصحي والاجتماعي للإنسان، تؤكد أن المنظومة تعيش حالة من الانفصال التام عن الأولويات؛ فحماية الثروة الحيوانية وتثمينها لا يمكن أن يصنعا تنمية أو استقرارا في بيئة تفتقر لأبسط شروط الرعاية الطبية، حيث يغدو الحفاظ على حياة المواطن وكرامته آخر ما تفكر فيه “اللجان الوطنية”.