في أفق الأبعاد الاجتماعية لبناء دولة المؤسسات..

كتبه كتب في 24 أبريل 2020 - 6:08 م
مشاركة

بقلم: محمد اليعقوبي*

الكل يعلم ان مفهوم الدولة كمعطى معاصر هو امتداد لتطور القبيلة والعشيرة والتجمعات السكانية في رقعة جغرافية معينة، عن طريق محاولات الانسان الأولى لتحقيق التنظيم في افق العدل والمساواة وإيجاد بدائل وميكنزمات تحقق ضبط اشكال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في حيز زمكاني معلوم ، واذا احذنا بلادنا على سبيل النمذجة كيف يمكن تحقيق البعد الاجتماعي للسياسات العمومية؟ وهل التمظهر الاجتماعي يمكن تحقيقه في غياب رؤية سياسية لمشروع مجتمعي واضح المعالم؟ واين ستتجلى إنسانية الانسان وقيمته وعدالة قضاياه وكرامته وحجم استفادته من السياسات العمومية الكفيلة بضمان الوجود؟

قبل التطرق للمساهمة في الإجابة عن هاته الأسئلة الملحة لابد من تقعيد نظري مختصر وسريع بالإطلالة على زخم من التعاريف اللغوية والاصطلاحية لمفهوم الدولة والتي قد ترد من باب الأخطاء الشائعة او الاعتماد على تصورات أحادية الجانب والتي حاولت التقرب بين مفهوم الدولة والمخزن والحاكم.

فالدولة لغويا اسم والجمع دولات ودول وبهذا المعنى هي الاستلاء والغلبة، والدولة شيء متبادل من مال ونحوه، والدولة جمع غفير من الافراد يقطنون بصفة دائمة اقليما معينا، ويتمتعون بالشخصية المعنوية وبنظام حكومي واستقلال سياسي ،كما وردت الدولة في اللغة بمفهوم الحوصلة والقانصة والدولة من البطن جانبه، والدولة بمعنى السرة ورجالات الدولة هم قاداتها الذين يعملون للصالح العام بدون اهداف شخصية

وفي تعريف ويكيبيديا العالمي المعروف فالدولة هي مجموعة من الافراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي معين ومحدد ويخضعون لنظام سياسي متفق عليه فيما بينهم يتولون شؤونه وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية تهدف الى تحقيق تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الافراد فيها وينقسم العالم الى مجموعة كبيرة من الدول وان اختلفت اشكالها وانظمتها السياسية …….

المنظور الفلسفي للدولة : يعتبر الفيلسوف ارسطو الانسان عبارة عن مخلوق سياسي بطبعه وهذا ما يجعله قادر على التمييز بين الخير والشر والعدل والجور وهو الكفيل بتأسيس الاسرة والدولة…..فالدولة كفيلة بتحقيق الحماية وتامين النظام وتحقيق التعايش على ارض معينة في زمن معين تجمع بين الافراد والجماعات روابط تاريخية وجغرافية وثقافية مشتركة وهكذا تستمد الدولة مشروعيتها عند الفلاسفة عن طريق الالتزام بالتعاقدات المبرمة والتي تتوخى تحقيق المصالح العامة والتي يحصرها الفيلسوف هوبز في السلام والامن الاجتماعيين

لقد انتقد هيجل التصور التعاقدي الذي يربط افراده اذ اعتبر الغاية من وجود الدولة غاية باطنية لأنها غاية من حيث انها تقوم بتمثيل إرادة وروح ووعي امة من الأمم ،اما ماكس فيبر فيعتبر تعدد المشاريع عبر التاريخ المتعلقة بشكل الدولة يعطي المشروعية للحكم الذي يعتمد على حماية الماضي التراث وقيم الأجداد ومشروعية الدولة ترتبط بشخص يمثل سلطة أخلاقية ودينية او إيديولوجية وبالتالي يحكم باسمها ومشروعيته السياسية يستمدها من المرجعية القانونية والتمثيلية الانتخابية إضافة للمؤسسات وتوزيع السلطة، اما جون لوك فيرى ان الدولة تستمد مشروعيتها عن طريق ما تحققه من مكتسبات تتمظهر في الحقوق المدنية للأفراد فلا يمكن لاي دولة ان تحضى بالمشروعية الا اذا كانت لديها القدرة على توفير الامن وتمكين الافراد من ممارسة حقوقهم وحريتهم وحماية ممتلكاتهم وتكريس قيم المساواة بين افراد المجتمع وهكذا فحسب جون لوك الدولة تستمد مشروعيتها عن طريق تطبيق الحاكم للقانون على الجميع دون استثناءات ومن أقواله في هذا الشأن «يبدو لي بان الدولة جماعة من الناس تآلفوا لغرض هو المحافظة على خيراتهم وتنميتها”

الدولة الاجتماعية
لعل تحقيق البعد الاجتماعي في السياسات العمومية رهين باختيارات سياسية معينة تتخذ من الانسان كهدف ،عن طريق الاعتراف بوجوده وكينونته كذات فاعلة وذات مبدعة وذات طموحة وذات لها متطلباتها وتتوخى تحقيق رغباتها ونجاحاتها، ان المشروع الذي لا يروم تحقيق التعلم المجاني والجيد والتطبيب والرعاية الصحية الجيدة والمستمرة والحياة الكريمة من تغذية وملبس وترفيه وضمان للمشاركة في التدبير والتحصين والمراقبة وحق المرافعة عن المهمشين والمستضعفين وتحقيق المساواة في العيش والمشاركة وضمان التطبيق السليم للمساطر دون تمييز، كل هذا كفيل بتحقيق الطمأنينة والارتياح والعيش المشترك ضمن فضاءات الدولة ومؤسساتها، فالدولة التي تضمن للجميع الحق في الخبز والعيش والاقتسام للمداخيل والممتلكات والتطبيق الصارم للقوانين على الجميع هي الدولة الاجتماعية التي يحلم بها اغلبنا بعيدا عن الديماغوجية وتغليب جشع الرأسمال المتوحش سواء للذي نما بيننا او القادم عبر بوارج وحاملات الطائرات والمسند بقرارات المؤسسات الدولية التي لا يهمها الا أرباح حلفائها وامتصاص خيرات دول لازالت تنظر اليها مستعمراتها واسواقها ومزابلها وجيشها الاحتياطي متى ضاقت بها الأرض بما رحبت.

* طالب باحث كلية تازة