توقيف ترقية الموظفين “تغريدة خارج السرب”

كتبه كتب في 22 أبريل 2020 - 6:30 م
مشاركة

بقلم: خالد وديرو

“رسالة مفتوحة” إلى رئيس الحكومة المغربية

السياسة كِياسة، تجسيد للحق، ممارسة لحفظ التوازن داخل المجموعة البشرية بعيدا عن العنف والسلب والعدوان، وهذا يفترض أنّ هذه المجموعة تتكون من جماعات صغرى تتقاطع مصالحها أحيانا وتتعارض أحيانا أخرى.. إنها على حد تعبير الفلاسفة اليونانيين “فن تسيير الشأن العام” عبر آليات تقليدية معروفة؛ مِن سَن القوانين و فصل للسلط و تجسيد للحق والعدالة ما أمكن عبر اتخاذ قرارات تنبع من الشعب عبر ممثّليهم كما ترمي خدمتهم في نهاية المطاف.

ولهذه الغاية شُرع النقاش والسجال، الأخذ والرد في الآراء والأفكار حتى تتوضح الصورة للعموم وتتم المصادقة على أنسب القرارات والقوانين لأنسب الظروف والسياقات والمشاكل.. لتجد هذه الممارسة مَوْطِأ قدم لها داخل دائرة “الشرعية” كتجسيد مفاهيمي لدولة الحق والقانون وكعمود فقري لأي ممارسة داخل هذا الشكل المتقدم من تسيير شؤون المدينة-الدولة بشكل يخدم المواطنين كغاية أسمى..

رجل السياسة الذي يكلّف نفسه طواعية تمثيل الأمة أو الشعب بكل إرادة –باعتباره فعلا حرا- و الحديث باسمه يستلزم استخدام اللغة و البلاغة في التعبير ليناسب بها الدال و المدلول، الكلمة و واقع الحال، التوصيف والسياق الخاص لورودها بهدف الإقناع بعيدا عن اللغو والحشو ، آخذًا بعين الاعتبار وُجوب الأخلاق في ممارسته السياسية كما أكد على ذلك أرسطو : “لمَّا كانت الدولة نوعا من المشاركة، وكانت كل مشاركة تستهدف النفع و الخير، إذ ان المفروض من كل عمل ان ينتهي إلى خير” وإلا لأصبحت عامة من الناس من “الدّوكسا” رجالات سياسة.. وتبقى الغاية القصوى للدولة حسب سبينوزا هو تحرير الأفراد من الخوف عن طريق الحفاظ على حقه في الحياة والعمل وحفظا لكرامة الإنسان داخل المجتمع.

سياقُ الكلام يتماشى وتوقيتَ منشور السيد رئيس الحكومة بخصوص توقيف الترقية بالنسبة لفئة الموظفين الذي خرج بتدوينة في زمنٍ يصارع فيه الجميع لمواجهة الوباء، محاصرته وإنجاح الإجراءات الرسمية التي اتخذتها الدولة المغربية يشيد فيها بـ”المرابطين” على الخطوط الأمامية؛ وهذا فعل نُثمِّنه ونزكّيه بدون شروط.. لكن أن يخرج علينا بمنشور يوقف السير العادي للترقية كحق دستوري في وقت تصارع فيه فئة المدرّسينَ الزمَنَ والعوائق التقنية وبطء صبيب الأنترنت لمحاولة التصدي للهدر المدرسي الذي قد يطال آلاف التلميذات والتلاميذ في كل ربوع الوطن.. لعَمْري لهُوَ إجحاف ما بعده إجحاف في حق فئة تمسك بالسياج الشائك وراء الستار.

صحيح أن منسوب الخطر أقل بالمقارنة مع من هم على الخط الأمامي للجبهة في محاربة فيروس كورونا وهم يستحقون كل التفاتة وأي تعويض عن الأخطار المحدقة بهم، لكن استمرار الحياة والسير العادي للمؤسسات التربوية والتعليمية بما هو متوفر من وسائل يمثل عملا جبارا ولو كان في الخفاء وبحماس كبير، ليس طمعا في تعويض وليس خوفا من اقتطاع من الأجرة، ولكن بوازع أخلاقي صِرف وحِسّ مسؤولية عالٍ، آخذين بعين الاعتبار براءة التلميذات والتلاميذ من هذا الوضع، واستحضارًا لمصيرهم نهاية السنة بعيدا عن انتظارا ت التعويض المادي أو الرمزي من طرف المسؤولين.. التزام أخلاقي قِوامُه “الواجب الاخلاقي” كما نحته الفيلسوف الألماني كانط يقوم به المدرِّسون في ذاته.

فجأة، وعلى حين غرة، في عزّ انشغال المدرسين بتحضير و محاولة استكمال عملهم عن بعد، جاءنا البيان التالي: “مهما اجتهدتم وبذلتم من جهد.. فلن نعترف لكم به، بل وأكثر من ذلك سنكافئكم مكافئة عظيمة بتوقيف ترقياتكم الهزيلة إلى أجل غير مسمى..” وكأنك تسارع الزمن للوصول لنقطة ما وفجأة تهتز عربتك إثر الاصطدام بحفرة على الطريق. لا هو قرار مناسب ولا هو سياق مناسب، تسلّلٌ واضح فاقد لكل حس بلاغي امام زيادات تتراوح بين 100 إلى 2000 درهم.

لكل مقام مقال، وكان الأجدى و الأنسب ألا يحبط مجهود كبير لشريحة تعاني الأمرَّيْن في تعليم عانى من ضربات متتالية من إصلاح لإصلاح. فالبلاغة حسب أرسطو وسقراط هي “نظرية الخطاب الإقناعي”. أصبح الخطاب خاليا من كل جدوى إقناع بل جاء في غير محله وزمانه.. خالياً من كل إقناع أو حجاج باعتباره “درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطاريح، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم”.

ليورغن هابرماس نفسه في تطويره لمفهوم “الفعل التواصلي” اعتمد مجموعة من القواعد “حيث تعمل الأفعال التواصلية على نقل وتجديد المعرفة الثقافية، في عملية تحقيق تفاهم متبادل. ثم تقوم بتنسيق العمل نحو التكامل الاجتماعي والتضامن ..”

في ظل الأزمة الراهنة، نُشدّد على مبدأ التضامن، لكن ليس على حساب طبقة تعتبر الحائط القصير، والتي تعاني أصلا شح الموارد وتتصارع يوميا لتدبيرها أمَلا في الوصول لأخر الشهر دون خسائر أو قروض إضافية تصرف في المعيش اليومي لا أقل و لا أكثر.

في المقابل نذكر السيد رئيس الحكومة ببرلمانيين يتقاضون أجورا سمينة وتعويضات و امتيازات سخية، وأيضا تقليص وحَوْكَمَة مصاريف ضخمة غير ضرورية يمكن تقليصها من قبيل 4800 مليار ميزانية شراء المعدات والسيارات وتجهيزات الإدارات.. ميزانية يمكن تقليصها لتوفير مبلغ محترم في هذا الوضع الاستثنائي، أو مثلا 2030 مليار لشراء و إصلاح ووقود سيارات الدولة… أو مثلا إيقاف نزيف هجرة الأطر الطبية للخارج ومحاولة إرجاع البعض من أصل 7000 طبيب بفرنسا لوحدها، حسب إحصائيات 2017.

لَـمْ تخبرونا عنها شيئا سيّدي رئيس الحكومة ؟

” نقلا عن مدونة زوايا “

https://zawayablog.com/%d8%aa%d9%88%d9%82%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%b1%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b8%d9%81%d9%8a%d9%86/?fbclid=IwAR3GbRLb4t5UqTYL-kLkAILDcffmIidL1uWXc8bVyV30mhHRKGojSU9lr_8

مراجع ومصادر:

  1. “كتاب السياسة “، أرسطو
  2.  جميل حمداوي، شاييم بيرلمان رائد البلاغة الجديدة
  3. chaïm Perelman et Lucie Olberechts-Tyteca: traité de argumentation ; la nouvelle rhétorique.
  4.  (Wikipedia=Habermas 1987).
  5.  https://rue20.com/—-/
  6.  http://www.alampress.info/?p=29473