لماذا لا تزال أفريقيا، رغم امتلاكها احتياطيات مهمة من النفط والغاز، عاجزة عن لعب دور محوري في تأمين إمدادات الطاقة العالمية؟ ولماذا لم تتحول هذه الثروات إلى مصدر للقوة الاقتصادية والنفوذ الاستراتيجي للقارة؟ يكتسب هذا السؤال أهمية متزايدة في ظل الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة الدولية، وسعي الدول المستوردة إلى تنويع مصادر إمداداتها وتقليص اعتمادها على مناطق الإنتاج التقليدية.
فالمشكلة الأفريقية لا تكمن في نقص الموارد الطبيعية، بقدر ما ترتبط بمحدودية القدرات الإنتاجية، وتقادم الحقول، وضعف البنيات التحتية للتكرير والتخزين والنقل، فضلا عن نقص الاستثمارات القادرة على تحويل الاحتياطيات إلى إمدادات مستقرة وقابلة للتصدير.
وكشف تحليل اقتصادي نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأمريكية أن منتجين أفارقة، من بينهم نيجيريا وأنغولا وليبيا والجزائر، يحظون باهتمام متزايد من الدول وشركات الطاقة الباحثة عن بدائل لإمدادات الشرق الأوسط. غير أن امتلاك احتياطيات نفطية كبيرة لا يعني القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة، خصوصا مع تراجع مردودية عدد من الحقول وارتفاع تكاليف تطويرها.
ففي نيجيريا، تتداخل تحديات النضوب الطبيعي مع سرقة النفط والتخريب الذي يستهدف خطوط الأنابيب، بينما تواجه أنغولا تقادم عدد من حقولها الرئيسية.
وفي الجزائر، يتطلب الحفاظ على مستويات الإنتاج استثمارات متواصلة، إلى جانب تحسين الظروف التنظيمية لاستقطاب رؤوس الأموال. وتكشف هذه المعطيات أن أفريقيا قد توفر خيارات إضافية للمستوردين، لكنها لا تستطيع تعويض الإمدادات المتوقفة على نطاق واسع ما لم تتعزز قدرتها على الإنتاج والتصدير.
ولا تقتصر الاختلالات على استخراج النفط والغاز، بل تمتد إلى ضعف قدرات التكرير والمعالجة، وهو ما يدفع بعض الدول المنتجة إلى استيراد البنزين والديزل رغم امتلاكها موارد خام مهمة.
وتمثل مصفاة دانغوتي في نيجيريا، بطاقة تصميمية تبلغ 650 ألف برميل يومياً، مثالاً على أهمية الاستثمار الصناعي في تقليص الاعتماد على المنتجات المكررة المستوردة. لكن بناء المصافي وتطوير شبكات النقل والتخزين يحتاجان إلى تمويل ضخم ووقت طويل، في حين يتزايد الطلب المحلي على الطاقة بالتوازي مع النمو السكاني والتوسع الصناعي.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في زيادة الصادرات فحسب، بل في بناء منظومة طاقية متكاملة تضمن تلبية الحاجيات الداخلية وتسمح بتوجيه فائض مستدام نحو الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع أنبوب الغاز المغرب- نيجيريا، المعروف أيضا بمشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي، باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد رسم خريطة الإمدادات الطاقية في غرب أفريقيا وشمالها.
ويهدف المشروع إلى نقل الغاز النيجيري عبر عدد من دول غرب أفريقيا وصولا إلى المغرب، مع إمكانية ربطه بالأسواق الأوروبية عبر البنية التحتية المناسبة.
وتكمن أهميته في أنه لا يقتصر على توفير مسار إضافي لتصدير الغاز، بل يفتح المجال أمام تعزيز الربط الطاقي بين الدول الأفريقية، وتطوير البنيات التحتية، وجذب الاستثمارات، وتحسين فرص حصول البلدان الواقعة على امتداده على الطاقة اللازمة لدعم صناعاتها وإنتاج الكهرباء. كما يمكن أن يمنح أوروبا خيارا إضافيا لتنويع مصادر التزود، في وقت أصبحت فيه مرونة الإمدادات عاملا أساسيا في حسابات الأمن الطاقي.
ومع ذلك، فإن تحويل هذا المشروع إلى رافعة فعلية للسيادة الطاقية يظل رهينا بتجاوز تحديات التمويل والتنفيذ والتنسيق بين الدول المعنية، بالنظر إلى طول المسار وتعقيداته التقنية والسياسية.
كما يتطلب نجاحه ضمان كميات كافية من الغاز، وتأمين البنية التحتية، وتحديد شروط عبور وتسعير واضحة، إلى جانب بناء شراكات طويلة الأمد مع المستثمرين والأسواق المستهلكة. ولا يعني ذلك أن الأنبوب سيحقق استقلالا طاقيا كاملا لأفريقيا أو أوروبا، لكنه قد يساهم في تقليل الاعتماد على مسارات محدودة، وتعزيز قدرة الدول على مواجهة اضطرابات الإمدادات.
وتظل هذه الإمكانات مرتبطة بالتنفيذ الفعلي للمشروع، وبقدرته على توفير إمدادات تنافسية ومستدامة، لا بمجرد الإعلان عن أهدافه الاستراتيجية.
في المحصلة، لن تتحول أفريقيا إلى قوة طاقية عالمية بمجرد امتلاكها احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، بل بقدرتها على تطوير الإنتاج والتكرير والتخزين وشبكات النقل، وربط هذه الاستثمارات بسياسات صناعية وتكامل إقليمي فعلي.
ويمكن لأنبوب الغاز المغرب- نيجيريا أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء فضاء طاقي أفريقي أكثر ترابطا، يمنح الدول المنتجة منافذ إضافية للتصدير، ويساعد الدول المستهلكة على تأمين احتياجاتها، ويوفر لأوروبا خيارا إضافيا لتنويع الإمدادات.
لكن تحقيق هذا التحول يتطلب إرادة سياسية وتمويلا مستداما وتعاونا يتجاوز الحدود الوطنية، حتى تنتقل القارة من تصدير المواد الخام إلى المشاركة الفعلية في إدارة سلاسل الإمداد الطاقية العالمية وصناعة القرار المرتبط بمستقبل الطاقة.