جاء الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، ليؤسس لرؤية استراتيجية متكاملة للمرحلة المقبلة، تتجاوز حدود التوجيه السياسي التقليدي إلى تحديد أولويات وطنية كبرى، قوامها تعزيز مكانة المغرب الاقتصادية والدولية، وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية، وإعادة الاعتبار لفعالية المؤسسات ومسؤولية المنتخبين.
فجلالة الملك، الذي قاد خلال ربع قرن تحولات عميقة مست البنيات التحتية والصناعة والاستثمار والدبلوماسية، يضع اليوم الطبقة السياسية أمام مسؤولية مواكبة طموحاته الإصلاحية، في ظرفية دولية استثنائية تتيح فرصا قد لا تتكرر. ومن هنا تبرز الرسالة الجوهرية للخطاب، التي عنوانها الولاية الحكومية والتشريعية الجديدة مطالبة بإحداث تحول نوعي، لا بالاكتفاء بتدبير الشؤون الجارية أو إعادة إنتاج الممارسات السابقة.
ويكتسب هذا التوجيه دلالة خاصة بالنظر إلى تأكيد جلالة الملك أن الانتداب البرلماني تعاقد سياسي وأخلاقي مع المواطنين. فالشرعية الانتخابية ليست امتيازا يمنح أصحابه حصانة من المحاسبة، بل مسؤولية تقتضي الإنصات للانتظارات الاجتماعية، وتحسين التشريع والرقابة، وترجمة الوعود إلى نتائج محسوسة.
ومن أبرز أبعاد الخطاب استحضار جلالة الملك للاعتزاز بالانتماء إلى المغرب، ليس باعتباره شعورا عاطفيا عابرا، وإنما قيمة وطنية تؤسس للمسؤولية والثقة في المستقبل. فالمملكة، بتاريخها العريق ومؤسستها الملكية الضاربة في عمق التاريخ، وبخصوصيتها الدينية والحضارية في ظل إمارة المؤمنين، استطاعت الحفاظ على هويتها الجامعة، الغنية بتعدد روافدها، بالتوازي مع انفتاحها على العصر.
وهذا الاعتزاز يجد امتداده في المكاسب الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية التي غيرت وجه المملكة. غير أن الرسالة الملكية تتجاوز الاحتفاء بالمنجزات إلى اعتبارها حافزا لمضاعفة الجهود، وتحويل الانتماء الوطني إلى التزام جماعي بخدمة المصالح العليا للبلاد.
اقتصاديا، حمل الخطاب الملكي السامي تصورا طموحا لمغرب أكثر استعدادا لمواجهة الاضطرابات الدولية. فالدعوة إلى تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين استيراد المواد الأساسية تعكس وعيا بأهمية تحصين الاقتصاد الوطني من أزمات الأسواق وسلاسل التوريد.
كما أن إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، يؤشر إلى إرادة الانتقال نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، يراهن على التكنولوجيا والابتكار، ولا يكتفي بالأدوار التقليدية في التجارة والصناعة.
وفي هذا الإطار، أسندت الرؤية الملكية للقطاع الخاص الوطني مسؤولية أكبر، باعتباره شريكا استراتيجيا في التحول التنموي، مطالبا بتوسيع الاستثمار والتصدير، وخلق فرص الشغل، وتعزيز روح المبادرة والإبداع. فالمقاولة المغربية مدعوة إلى أن تكون فاعلا في بناء القوة الاقتصادية الوطنية، لا مجرد مستفيد من السياسات العمومية.
ولم تغب قضايا الشباب عن هذه الرؤية، بل احتلت موقعا محوريا باعتبارها أحد مفاتيح نجاح النموذج التنموي. فالتوجيه الملكي بوضع الشباب في صدارة السياسات العمومية يقتضي معالجة مترابطة لإشكالات التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص.
والغاية لا تنحصر في تقليص البطالة، وإنما تمتد إلى استعادة ثقة الأجيال الصاعدة في مؤسسات وطنها، وتمكينها من الارتقاء الاجتماعي وبناء مستقبل قائم على الحرية والكرامة والاستقرار. فلا يمكن للاقتصاد أن يتقدم بالوتيرة المنشودة إذا لم تتحول طاقات الشباب إلى قوة إنتاج وابتكار.
أما على المستوى الترابي، فقد حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن التأخر في تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. فالتنمية لا يمكن أن تظل رهينة القرارات المركزية والمساطر المعقدة، بينما تواجه الجهات تحديات متفاوتة تستدعي حلولاً ملائمة لخصوصياتها.
ومن هنا جاء التشديد الملكي على ضرورة نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية إلى الجهات والأقاليم، وتوضيح مسؤوليات المؤسسات الجهوية، وإرساء آليات فعالة للتنسيق والتعاقد بينها وبين الدولة.
وتكمن أهمية هذا التوجيه في أنه ينقل النقاش من النصوص القانونية إلى حصيلة التنفيذ الميداني. فالمواطن لا يقيس نجاح الجهوية بعدد المؤسسات والمخططات، وإنما بجودة الخدمات العمومية، وتوفر فرص الاستثمار والشغل، وسرعة إنجاز المشاريع والاستجابة لمشاكل منطقته.
وفي السياسة الخارجية، حمل الخطاب رسائل بالغة الدلالة، خصوصا فيما يتعلق بإسبانيا والتعاون في مجال الهجرة. فقد أكد جلالة الملك مكانة المغرب شريكا مسؤولا وموثوقا، يفي بالتزاماته وينتظر المعاملة نفسها من شركائه.
ورغم الإقرار بما حققته الشراكة المغربية الإسبانية من تقدم، أبرز الخطاب حدود نموذج التعاون الحالي، وما يواجهه من معيقات قانونية وقضائية تعرقل، وفق التشخيص الملكي، بعض إجراءات إعادة القاصرين والأشخاص المعنيين بالعودة، وتتيح لشبكات الاتجار بالبشر استغلال الثغرات القائمة.
غير أن الرسالة الأبرز تمثلت في التأكيد أن الشراكة المغربية اختيار سيادي والتزام طوعي، لا يمكن إخضاعه للضغط أو التهديد أو الابتزاز. وهي رسالة تعكس تشبث المملكة بعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل وتقاسم المسؤوليات، بعيداً عن المزايدات السياسية والإعلامية.
ويكتسب الإعلان عن إعداد وثيقة استراتيجية جديدة لتقديمها إلى شركاء المغرب أهمية خاصة، باعتباره توجها نحو إعادة صياغة أسس التعاون، من خلال التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، بدلاً من الاقتصار على التدبير الأمني للأزمات.
وهكذا، يبدو الخطاب الملكي السامي بمثابة خارطة طريق تجمع بين قوة الهوية وطموح الاقتصاد وعدالة التنمية واستقلالية القرار الوطني. وهي رؤية يقودها جلالة الملك محمد السادس بمنطق الاستمرارية الاستراتيجية، مع إدراك ضرورة تطوير أدوات التنفيذ لمواكبة التحولات المتسارعة.
لقد حدد جلالة الملك الأولويات ورسم أفق المرحلة المقبلة. أما المسؤولية التي تواجه الحكومة والبرلمان والقطاع الخاص والمؤسسات الترابية، فتتمثل في تحويل هذا الطموح الملكي إلى إنجازات ملموسة، تجعل المواطن شريكا في التنمية ومستفيدا من ثمارها، وتعزز مكانة المغرب قوة صاعدة وموثوقة، واثقة من هويتها ومتمسكة بسيادتها ومنفتحة على المستقبل.تابع آخبار تليكسبريس على