تأتي مشاركة المغرب في القمة العالمية الثانية للطاقة النووية المنعقدة في باريس في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا، حيث تتزايد الحاجة إلى مصادر طاقة مستقرة وقليلة الانبعاثات الكربونية، في ظل تصاعد الطلب على الكهرباء والالتزامات الدولية المرتبطة بمكافحة التغير المناخي. وتبرز هذه المشاركة كإشارة إلى أن الرباط تسعى إلى تعزيز حضورها ضمن النقاش الدولي المتعلق بمستقبل الطاقة النووية السلمية ودورها في تحقيق الانتقال الطاقي.
خلال السنوات الأخيرة اعتمد المغرب استراتيجية طاقية قائمة أساسا على تطوير الطاقات المتجددة، خاصة الشمسية والريحية، غير أن التحولات العالمية في مجال الطاقة دفعت عدداً متزايداً من الدول إلى إعادة النظر في دور الطاقة النووية المدنية باعتبارها مصدرا مستقرا لإنتاج الكهرباء منخفض الانبعاثات. وفي هذا الإطار يبرز النقاش حول إمكانية إدماج هذا المصدر ضمن المزيج الطاقي المغربي مستقبلاً، كخيار تكميلي للطاقات المتجددة وليس بديلا عنها.
إن التحولات الجيوسياسية في سوق الطاقة، إلى جانب التقلبات التي تعرفها أسعار الوقود الأحفوري، أعادت طرح مسألة الأمن الطاقي كأحد التحديات الكبرى التي تواجه الدول المستوردة للطاقة، ويعد المغرب من بين هذه الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها من الطاقة، وهو ما يدفعه إلى البحث عن حلول طويلة الأمد تضمن استقرار الإمدادات وتدعم في الوقت نفسه التزاماته البيئية.
وفي هذا السياق، ينظر إلى الطاقة النووية السلمية باعتبارها أحد الخيارات القادرة على توفير إنتاج كهربائي مستقر على مدار الساعة، بخلاف بعض مصادر الطاقة المتجددة التي تظل مرتبطة بالعوامل الطبيعية مثل توفر الرياح أو الإشعاع الشمسي. لذلك تتجه العديد من الدول إلى تبني نماذج طاقية هجينة تجمع بين الطاقات المتجددة والطاقة النووية لتحقيق التوازن بين الاستدامة والاستقرار في الإمدادات.
ويحاول المغرب، من خلال حضوره في هذا النقاش الدولي، إبراز الإمكانات التي يمتلكها في عدد من المجالات المرتبطة بالتطبيقات النووية السلمية. فالمملكة تتوفر على احتياطات كبيرة من الفوسفات يمكن أن تشكل مصدراً مهماً لاستخراج اليورانيوم مستقبلاً، وهو عنصر أساسي في صناعة الوقود النووي. كما أن هذا المورد الطبيعي يمنح المغرب موقعاً مميزاً ضمن الدول التي يمكن أن تلعب دورا في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة النووية.
إلى جانب ذلك، يطرح المغرب رؤية أوسع لاستخدام التكنولوجيا النووية في مجالات تتجاوز إنتاج الكهرباء فقط، فالتطبيقات النووية يمكن أن تسهم في تطوير قطاعات حيوية مثل الطب والزراعة والصناعة، فضلا عن تحلية مياه البحر وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وهي مجالات تكتسي أهمية متزايدة بالنسبة لبلد يواجه تحديات مرتبطة بالإجهاد المائي والنمو الاقتصادي.
وتعتمد هذه الرؤية أيضا على بناء قاعدة علمية ومؤسساتية في مجال العلوم النووية، حيث راكمت المملكة خبرة مهمة في التطبيقات النووية المدنية عبر مؤسسات بحثية متخصصة، أبرزها المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية بمنطقة المعمورة قرب الرباط. ويضم هذا المركز مفاعلا بحثيا من نوع TRIGA Mark II research reactor دخل الخدمة سنة 2007، ويستخدم لأغراض البحث العلمي وتكوين الكفاءات وإنتاج النظائر المشعة المستعملة في الطب والصناعة.
ورغم هذه الخطوات، فإن الانتقال إلى مرحلة إنتاج الكهرباء عبر الطاقة النووية يظل مشروعا طويل الأمد يتطلب استعدادات تقنية ومالية ومؤسساتية كبيرة، إضافة إلى ضرورة الالتزام الصارم بالمعايير الدولية المتعلقة بالسلامة النووية وحماية البيئة. ولهذا السبب يواصل المغرب تعاونه مع الهيئات الدولية المختصة، وعلى رأسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أجل تطوير قدراته التقنية وتعزيز الإطار التنظيمي المرتبط بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
يعكس حضور المغرب في النقاش الدولي حول مستقبل الطاقة النووية رغبة في توسيع خياراته الطاقية والاستعداد للتحولات التي يشهدها هذا القطاع عالميا، فبين الطاقات المتجددة والتكنولوجيا النووية السلمية، يسعى المغرب إلى بناء نموذج طاقي متوازن قادر على دعم التنمية الاقتصادية وضمان الأمن الطاقي مع احترام التزاماته البيئية على المدى الطويل.