أعادت بعض الحوادث المأساوية التي عرفتها مناطق مختلفة من المغرب خلال الاسابيع الأخيرة فتح النقاش حول مسؤولية الأسر في حماية الأطفال الصغار، خاصة الرضع ومن هم دون سن الخامسة، في ظل تكرار حالات اختفاء أعقبتها عمليات العثور على جثث في مجاري مائية أو قنوات للصرف بعد فترات من التقلبات الجوية والأمطار الغزيرة.
هذه الوقائع أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال في الفضاءات القريبة من منازلهم، ومدى يقظة الأسر في مراقبتهم خلال فترات اللعب.
في خضم هذه الأحداث، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي روايات عديدة تربط هذه الحوادث بعمليات اختطاف منظمة، غير أن المعطيات التي قدمتها السلطات الأمنية، وعلى رأسها المديرية العامة للأمن الوطني، أكدت في أكثر من مناسبة أن عددا كبيرا من الأخبار المتداولة يندرج ضمن الإشاعات أو التأويلات غير الدقيقة للوقائع. إذ غالبا ما يتبين بعد التحقيق أن الأمر يتعلق بحوادث عرضية مرتبطة بسهو لحظي أو غياب المراقبة الكافية للأطفال أثناء لعبهم بالقرب من مجاري المياه أو القنوات المفتوحة.
وتبرز خطورة هذه الحوادث بشكل أكبر خلال الفترات التي تعرف اضطرابات مناخية وتساقطات مطرية قوية، حيث تتحول بعض المجاري المائية الصغيرة أو قنوات تصريف مياه الأمطار إلى مسارات سريعة الجريان قادرة على جرف الأطفال في ثوان معدودة.
وفي عدد من الحالات التي أثارت تعاطفا واسعا في الرأي العام، تبين أن الأطفال غادروا محيط منازلهم أو خرجوا للعب دون مراقبة مباشرة، قبل أن تجرفهم المياه أو يسقطوا في قنوات الصرف أو الأودية القريبة.
وتشير هذه الوقائع إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة الإشاعات المنتشرة على الإنترنت، بل في تعزيز ثقافة الحذر داخل الأسر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال الصغار الذين لا يمتلكون القدرة على إدراك المخاطر المحيطة بهم. فالطفل في سنواته الأولى يتحرك بدافع الفضول والاكتشاف، وهو ما يجعله عرضة لمخاطر عديدة إذا غابت المراقبة المستمرة من قبل الكبار.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المتابعين للشأن الاجتماعي أن تكرار مثل هذه الحوادث يكشف في كثير من الأحيان عن مظاهر إهمال أسري، حتى وإن كان غير مقصود، فترك الأطفال الصغار يلعبون بمفردهم في الأزقة أو بالقرب من المجاري المائية أو قنوات الصرف يشكل خطرا حقيقيا، خصوصا في الأحياء التي تفتقر إلى فضاءات آمنة للعب أو التي تمر بها قنوات مكشوفة لتصريف المياه.
كما أن مسؤولية الحماية لا تقع على عاتق السلطات المحلية أو الجهات الأمنية فقط، بل تبدأ أساسا من داخل الأسرة، فالمراقبة الدائمة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى من العمر، تعد عاملا حاسما في الوقاية من مثل هذه المآسي. ويتطلب ذلك انتباها مستمرا من الآباء والأمهات، وعدم ترك الأطفال الصغار خارج المنازل أو في محيطها دون متابعة مباشرة.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية في الفترات التي تشهد تغيرات مناخية مفاجئة، حيث تتضاعف المخاطر المرتبطة بالمياه الجارية والفيضانات المحلية الصغيرة التي قد تتشكل داخل الأحياء السكنية، فمجرد قناة صرف ضيقة قد تتحول في لحظات إلى مجرى قوي يصعب على طفل صغير الإفلات منه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة هذه السلوكيات، وإلى تبني مقاربة وقائية تقوم على التوعية داخل الأسر والمدارس ووسائل الإعلام. فحماية الأطفال مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، باعتبارها الحلقة الأولى في منظومة الرعاية والحماية.
إن الحوادث المؤلمة التي عرفها المغرب في الآونة الأخيرة تشكل تذكيرا قاسيا بأهمية اليقظة الأسرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال الصغار الذين يحتاجون إلى مراقبة دائمة.
وبينما تستمر الجهود الرسمية في محاربة الأخبار الزائفة التي تروج لفرضية الاختطاف، يبقى التحدي الأكبر هو ترسيخ ثقافة المسؤولية داخل الأسر لضمان سلامة الأطفال وتجنب تكرار مآس كان بالإمكان تفاديها بقليل من الانتباه والحرص