مغاربة عالقون في مخيمات الاحتجاز بسوريا يناشدون الملك خوفا من تفشي كورونا

كتبه كتب في 31 مارس 2020 - 7:01 م
مشاركة

أطلب من جلالة الملك محمد السادس أن يعيد لي والدتي وأعمامي.. أعد لي أمي، لاسيما في ظل مصيبة كورونا.. أنا لا أريد أن أفقد والدتي، أو أعمامي أو جدي، كما فقدت والدي من قبل”. هذا ما قاله الطفل المغربي محمد من العرائش بصعوبة والدموع تنهمر من مقلتيه في مقطع فيديو من 5 دقائق، وهو يناشد الملك محمد السادس أن يتدخل لترحيل والدته وشقيقته الصغيرة العالقتين في مخيم، حيث تقبع نحو 34 أما مغربية بعد اعتقالهن من قبل قوات سوريا الديمقراطية، مع بداية سقوط التنظيم الإرهابي داعش أواخر سنة 2017، وفق مصادر ”أخبار اليوم”.

مصادر الجريدة من شمال سوريا أوضحت أن الكارثة تنتظر مئات المغربيات وأطفالهن في مخيمي “الهول” و”روج” المخصصين لاحتجاز أسر الدواعش من مختلف الجنسيات، في حالة تسرب الفيروس إلى المخيمين، لاسيما في ظل غياب أبسط وسائل التعقيم والنظافة، إلى جانب تأخر قوات سوريا الديمقراطية في اتخاذ إجراءات احترازية لتجنب تسرب فيروس كورونا المستجد إلى الخيام البلاستيكية المتلاصقة التي تعيش فيها الأسر المحتجزة. وازدادت مخاوف مئات المغاربة المعتقلين في شمال سوريا بعد تأكيد المرصد السوري للحقوق الإنسان تسجيل العديد من الإصابات بفيروس كورونا في سوريا، رغم أن النظام السوري يتستر على الأرقام الحقيقية، واكتفى يوم السبت الماضي بالإشارة إلى 5 إصابات ووفاة واحدة فقط.

ويندرج مقطع الفيديو الذي ظهر فيه الطفل المغربي محمد بالعرائش ضمن سلسلة من النداءات التي أنجزتها التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين المغاربة في سوريا والعراق‎، تناشد عبرها أمهات وآباء وأطفال وأشقاء وزوجات المغاربة العالقين في المغرب، الملك محمد السادس للتدخل قصد إعادتهم من شمال سوريا، خوفا من إصابتهم بفيروس كورونا في مخيمات الأكراد. عبد العزيز البقالي، منسق التنسيقية، أوضح للجريدة أن أغلب الأشخاص الذين ظهروا وسيظهرون في مقاطع مقبلة يقيمون في مختلف المدن المغربية، مثل طنجة والدار البيضاء والرباط وفاس والمحمدية والعرائش، ويتوجهون حصريا إلى الملك محمد السادس للتدخل من أجل حلحلة ملف أقاربهم العالقين والذين يعانون في ظروف صعبة.

بعيدا عن الأم والأب

يحكي الطفل محمد أنه كان يبلغ من العمر سنتين عندما التحق والده بالأراضي السورية، بعدها طالب والده من أمه السفر إلى سوريا قصد العلاج عند طبيب هناك. لكن بعد وصولها إلى تركيا طلب منها زوجها (والد محمد) العبور إلى سوريا، وكذلك كان. يقول محمد إن والدته حاولت الخروج من سوريا، لكن وجدت نفسها محاصرة بعد إغلاق الحدود. لن تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل طالب والده من أعمامه اصطحاب والدهم (جد محمد) إلى تركيا قصد العلاج، وعلى منوال مع حدث مع زوجته، طالب من إخوته ووالدهم العبور إلى سوريا، وكذلك كان. حينها وجد الصغير محمد نفسه وحيدا في المغرب رفقة الجدة. عن هذا يقول محمد: “أفتقد أمي وأختي وأعمامي وجدي، علاوة على فقدان والدي الذي توفي في سوريا”.

وتابع: “حين توفي أبي كانت ترغب الأسرة في الهرب، لكنها فشلت في ذلك، قبل أن تسقط أسيرة لدى الأكراد”. وعلى غرار أمه وأخته المحتجزتين في مخيم “روج”، يروي أن أعمامه يوجدون رهن الاعتقال، أيضا، في شمال سوريا. مصادر الجريدة أشارت إلى أنه بين الفينة والأخرى تحصل العائلات في المغرب عن معلومات حول المعتقلات وأطفالهن في المخيمات، في المقابل، لا توجد أي معلومة عن المعتقلين الذكور، ويرجح أنهم يقبعون في معتقلات سرية لدى الأكراد.

وعاد محمد ليناشد الملك قائلا: “لا أريد أن أبقى وحيدا، لقد فقدت طول هاته الفترة حنان الأم. عندما أذهب إلى المدرسة ألتقي زملائي، كل واحد يخبرني أن أمه أو أباه اشترى له لعبة أو أخذاه إلى الحديقة للعب.. أما أنا فلا أجد إلا التسلل إلى ركن قصي، حيث أبدأ في البكاء، قبل أن أمسح وأغسل دموعي في مرحاض المدرسة”. واستطرد أنه عندما يُطلب منه إحضار ولي أمره في المدرسة أو تسليمهم دعوة، يتغيب أو يتخلف لتجنب الإحراج. وعاد ليؤكد: “أطلب من الملك محمد السادس أن يرجع أمي لأنه ليس لدي أي أحد غيرها. أعزك الله يا صاحب الجلالة، وحفظك من كل مكروه. الله يرزقكم القوة ويحافظ لكم على كرسي العرش. وأتمنى أن تجلب كل المغاربة العالقين في سوريا كي لا يفقد أي أحد فردا من أفراد أسرته كما فقدت أنا والدي”.

وفي الجزء الأول من السلسلة تظهر أم الزبير القرناوي من المحمدية قائلة: “نناشد جلالة الملك محمد السادس نصره الله وحفظه، ليتدخل لنا في ملف أبنائنا المعتقلين في سوريا والعراق، لأنهم مجرد مغرر بهم، ويوجدون حاليا في حالة يرثى لها بسبب الازدحام في السجون والمخيمات. أصبحنا نعاني من الأمراض تألما على أبنائنا الذين يتضررون، أيضا، هناك. إنهم شباب مغرر بهم، والآن حياتهم تضيع في العراق وسوريا، نطلب من الله سبحان وتعالى أن يعين جلالة الملك ليتدخل في هذا الملف، جزاه الله خيرا، حفظه الله وسائر أسرته”.

كما ظهرت في المقطع ذاته، أيضا، أم المعتقل المغربي طارق لدى قوات سوريا الديمقراطية بعد سقوط التنظيم الإرهابي داعش، قائلة: “نطلب من جلالة الملك أن يعيد لنا هؤلاء الأبناء، لقد اكتوينا، ومرضنا من كثرة التفكير فيهم، وعيدنا ما هو عيد، وطعامنا لم يعد طعاما.. حفظك وشفاك الله يا جلالة الملك، إننا نخاف من هذا المرض (كورونا) على أبنائنا، لهذا نتمنى أن تعيدهم لنا”. هذه الأم تنحدر من مدينة فاس.

قبل الكارثة

مغربية عالقة في أحد مخيمات احتجاز المغربيات في سوريا أوضحت للجريدة أن الإجراء الوحيد الذي اتخذته قوات سوريا الديمقراطية لمنع تسرب الفيروس إلى الخيام البلاستيكية التي يعشن فيها، هو “إعلان فتح المحلات التجارية على الساعة التاسعة صباحا وإغلاقها مع الرابعة زوالا بدل الساعة السادسة”. هذه الأم المغربية قالت: “نشعر بالقلق والخوف والتوجس من أن نموت ونترك أطفالنا لتجار الأعضاء البشرية أو التشرد أو عمليات التنصير”. وعن نفسية أغلب المغربيات العالقات معها عبرت قائلة: “لم تعد هناك آمال، نعيش في اكتئاب جماعي”.

ويبدو أن إغلاق الحدود وتشديد المراقبة في الحدود التركية السورية وفي السورية العراقية وبين المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، أديا إلى تراجع تدفق المواد الغذائية، ما ترتب عنه ارتفاع الأسعار، بحيث أصبحت المحتجزات اللواتي لا يتوصلن بتحويلات من أسرهن في ظل الأزمة، لا يجدن ما يشترين به الطعام، باستثناء ما تجود به عليهن المنظمات الحقوقية، وهي المساعدات التي تتراجع بحكم الظرفية الحرجة المعاشة بسبب كورونا. في هذا تقول الأسيرة المغربية: “الفرنسيات والروسيات أنهكتن بمصروفهن اليومي الهيستري، لم نعد نجد بعدهن شيئا في السوق”، إذ أن الأجنبيات الأوروبيات يتوصلن شهريا بتحويلات مالية تتراوح ما بين 300 إلى 1000 دولار تسمح لهن بالعيش بشكل جيد، بينما “أفقر جنسيات المخيمات هن المغربيات والتركستانيات”، على حد قول الأسيرة المغربية.

وأضافت المغربية أن الأسعار ارتفعت في المخيمات بشكل جنوني، إلى جانب قلة المواد الغذائية. علاوة على غياب الوسائل الضرورية لوقاية من فيروس كورونا، بحيث “ليس هناك لا كمامات ولا معقمات ولا أي إجراءات وقائية. وكلما طلبن بهذه الأمور يخبروننا أنه لم تسجل أي حالة ولا وجود للفيروس”. فبعض هذه المعتقلات المغربيات يعانين من أمراض مزمنة، وأصبحن يصبن بالذعر كلما انتابتهن نوبة عطس أو سعال. “أصبحت لدينا هنا فوبيا كورونا”، تقول إحدى المغربيات. هذه الأخيرة قالت للجريدة “إننا داخل سجن تحيط به سياجات”، وتعمقت معاناة المغربيات في ظل التقلبات الجوية، بحيث أن الرعد والأمطار التي كانت تتساقط فجر يوم أمس الاثنين، تُذهب عنهم النوم الذي أصبح صعبا أمام الأخبار المؤلمة التي تصلهم عن الأرواح التي حصدها كورونا في العالم، لاسيما في الصين وإيطاليا وإسبانيا وإيران.

شبح كورونا وداعش

على غرار الخوف من تفشي وباء كورونا في المخيمات، تتخوف المغربيات من انتقام التنظيم الإرهابي داعش منهن، لاسيما اللواتي قررن منهن الهرب قبل سقوط داعش في بداية السنة المنصرمة في ما يسمى “معركة الباغوز”. ودب الخوف إلى نفوسهن بعد رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان، مساء يوم أول أمس الأحد، عصيان عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” داخل سجن غويران في الحي الجنوبي من مدينة الحسكة. ورغم تمكن قوات التدخل السريع التابعة لـ”قسد” من السيطرة على أقسام السجن، فيما سمعت أصوات إطلاق عيارات نارية في محيط السجن أثناء محاولة السيطرة على المساجين، إلا أن المحتجزات المغربيات يتخوفن من أي هجوم محتمل للعناصر الداعشية على مخيمي “الهول” أو “روج”. علما أن سجن غويران يضم أكثر من 5 آلاف عنصر من جنسيات مختلفة، بتهمة الانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”.

مصدر قريب من أسر العالقين في سوريا، صرح لـ”أخبار اليوم” أنه إلى حدود الساعة تم تحديد هويات مغاربة في مخيم الهول وروج، وبعض مراكز اعتقال المغاربة الذكور. إذ بلغ عدد الأطفال وأمهاتهن 162 مغربيا، و13 طفلا مغربيا يتيما غير مرفق (بلا أب ولا أم)، و63 مغربية بلا أطفال، علاوة على 82 مغربيا (ذكور) معتقلا في مراكز غير معروفة. هذا ويبلغ مجموع المعتقلين والمحتجزين المغاربة بين الأطفال والنساء والرجال 320 شخصا. لكن المصدر ذاته يؤكد أن الرقم الحقيقي قد يكون مرتفعا، بحكم أنه لم يتم التواصل مع جميع عائلات المعتقلين أو حتى المعتقلين أنفسهم في سوريا. فيما لا توجد أي معطيات حول أعداد وأحوال المغاربة المعتقلين في السجون العراقية، بعضهم معتقلون منذ سنوات، مثل شقيق منسق التنسيقية عبد العزيز البقالي.

“النداء الموجه إلى الملك محمد السادس نصره الله هو على شكل سلسلة تضم العديد من الفيديوهات. ونظرا إلى خطورة فيروس كورونا الذي يضرب العالم، ارتأت الأسر المعنية في مختلف المدن المغربية إلى توجيه نداء استعطافي إلى الملك، من أجل ترحيل أبنائها العالقين في شمال سوريا”. العائلات متخوفة من تسرب كورونا إلى مخيمات احتجاز النساء والأطفال، أو إلى سجون اعتقال الذكور، وإذا قدر الله وتسرب الفيروس فقد تحدث كارثة بين المغاربة بكل ما تحمل الكلمة من معنى”، مشيرا: “ومن هذا المنطلق، نناشد الملك محمد السادس حفظه الله للتدخل ويشمل بعطفه هؤلاء العالقين كما تدخل في عدة ملفات، لأنهم في نهاية المطاف أبناء هذا الوطن”.

وأكد عبد العزيز بقالي، نقلا عن العائلات، أن المغاربة الذكور المعتقلين لدى الأكراد أو في العراق مستعدون للمحاكمة في المغرب، أما النساء والأطفال فلا ذنب لهم فهم مجرد مغرر بهم. وخلص البقالي قائلا: “هناك أطفال أيتام مغاربة في المخيمات، هذا الملف مأساته كبيرة جدا”.