تفتح المؤشرات الانتخابية الجديدة في جنوب إفريقيا الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات السياسية داخل البلاد، وانعكاساتها المحتملة على مواقف بريتوريا من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها نزاع الصحراء المغربية.
فقد أظهر استطلاع للرأي نشرته قناة «إنكا» الجنوب إفريقية، تصدر حزب أومكونتو وي سيزوي (MK)، بقيادة الرئيس السابق جاكوب زوما، نوايا التصويت في بلدية إيثيكويني، التي تضم مدينة ديربان، بنسبة 48 في المائة، مقابل 25.2 في المائة للتحالف الديمقراطي و14.5 في المائة للمؤتمر الوطني الإفريقي.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي تعرفه الخريطة الانتخابية المحلية، قبل الانتخابات المقررة في 4 نونبر المقبل، دون أن تعني حسم نتائجها.
وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من كون إيثيكويني إحدى أبرز القواعد الانتخابية في إقليم كوازولو ناتال، الذي يشكل مجالا سياسيا أساسيا لحزب زوما، كما أنها تمثل اختبارا لقدرة الحزب على تحويل شعبيته إلى سلطة محلية فعلية.
وفي المقابل، يجد المؤتمر الوطني الإفريقي نفسه أمام تراجع لافت في منطقة ظل يتمتع فيها بوزن انتخابي مهم، وسط انتقادات تتعلق بتدبير الخدمات الأساسية، خصوصا الماء والكهرباء والبنية التحتية.
ومع ذلك، فإن تصدر حزب زوما للاستطلاع لا يضمن له أغلبية مطلقة، كما أن هامش الخطأ المعلن يظل في حدود ثلاث نقاط مئوية، ما يجعل نتائج صناديق الاقتراع والتحالفات المحتملة عوامل حاسمة في تحديد مآل المنافسة.
ولا يمكن فصل هذا الصعود عن التحول الذي شهدته السياسة الجنوب إفريقية منذ انتخابات 2024، عندما فقد المؤتمر الوطني الإفريقي أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ وصوله إلى الحكم سنة 1994، في تطور كشف تراجع هيمنة الحزب الذي ارتبط تاريخيا بنضال التحرر الوطني وبشخصية نيلسون مانديلا. وقد حقق حزب زوما اختراقا انتخابيا لافتا، مستفيدا من استقطاب جزء من الناخبين الساخطين على أداء الحزب الحاكم، ومن حضوره القوي في كوازولو ناتال.
ويضع هذا المسار المؤتمر الوطني الإفريقي أمام منافسة لا تقتصر على البرلمان الوطني، بل تمتد إلى البلديات الكبرى، بما قد يعيد رسم موازين القوى داخل البلاد ويؤثر في حسابات الأحزاب بشأن التحالفات والبرامج السياسية.
لكن البعد الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى المغرب يرتبط بالموقف المختلف الذي يتبناه حزب زوما من قضية الصحراء المغربية. ففي يوليوز 2025، أعلن الرئيس الجنوب إفريقي السابق، خلال زيارته إلى الرباط ولقائه وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، دعم حزبه للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، معتبرا أنها تتيح تدبيرا محليا لشؤون سكان المنطقة مع ضمان السيادة المغربية.
كما دعا الحزب إلى دعم هذا المقترح، مستندا إلى اعتبارات مرتبطة بالوحدة الترابية للدول الإفريقية والاستقرار والتنمية. ويشكل هذا الموقف تباينا واضحا مع التوجه التاريخي للمؤتمر الوطني الإفريقي والحكومة الجنوب إفريقية، اللذين دافعا عن أطروحة تقرير المصير بصيغة الاستقلال، وقد أكد حزب زوما أن موقفه يمثل توجها حزبيا معلنا، وليس مجرد رأي شخصي لرئيسه.
فهل نشهد، مع اتساع نفوذ زوما وحزبه، تحولا في موقف جنوب إفريقيا من الصحراء المغربية؟ يظل هذا الاحتمال مطروحا، لكنه لا يعني أن التغيير أصبح وشيكا أو أن صعود حزب «أومكونتو وي سيزوي» محليا سيؤدي تلقائيا إلى مراجعة السياسة الخارجية للدولة. فالفوز ببلدية ديربان، حتى إن تحقق، لا يمنح الحزب سلطة تقرير الموقف الدبلوماسي الوطني، كما أن الوصول إلى الحكم على المستوى المركزي يتطلب مسارا انتخابيا وسياسيا مختلفا.
ويظل العامل الحاسم هو قدرة الحزب على توسيع قاعدته الانتخابية وطنيا، وتحويل موقفه من الصحراء إلى توجه سياسي مؤثر في المؤسسات، في ظل استمرار تمسك المؤتمر الوطني الإفريقي بموقفه التقليدي من النزاع.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن تنامي حضور قوة سياسية جنوب إفريقية تتبنى مبادرة الحكم الذاتي يفتح مجالا إضافيا للتحرك الدبلوماسي والبرلماني داخل بلد ظل من أبرز الداعمين لجبهة البوليساريو.
غير أن الرهان المغربي لا ينبغي أن يقتصر على تراجع شعبية المؤتمر الوطني الإفريقي أو على نتائج استطلاع انتخابي واحد، بل على بناء قنوات تواصل مستدامة مع مختلف القوى السياسية والمدنية، وإبراز المقترح المغربي باعتباره أرضية للتسوية السياسية.
وعليه، فإن صعود زوما قد يشكل مؤشرا على بداية تعددية أوسع في المواقف الجنوب إفريقية من قضية الصحراء، لكنه لا يكفي وحده لإعلان تحول في سياسة الدولة؛ فذلك سيظل رهينا بمآلات المنافسة الوطنية، وبما إذا كان الخلاف الحزبي حول الصحراء سيتحول مستقبلا إلى مراجعة رسمية في حسابات بريتوريا الدبلوماسية.