أثار التطور المتسارع للقدرات العسكرية والاقتصادية للمغرب حالة من التوجس لدى بعض وسائل الإعلام والأوساط السياسية الإسبانية، التي باتت تنظر إلى خطوات المملكة في مجال التسلح وتعزيز شراكاتها الدولية باعتبارها تهديداً محتملاً لإسبانيا، وفق قراءة تحليلية للكاتب والمحلل السياسي المغربي سمير بنيس.
وسخر بنيس من هذا الخطاب، معتبراً أن بعض المنابر الإسبانية تتعامل مع كل تحرك مغربي، سواء تعلق بصفقات الأسلحة أو المناورات العسكرية، وكأنه موجه ضد إسبانيا، في انعكاس لما وصفه بالهوس والانشغال المفرط بالمغرب.
وجاء هذا الموقف عقب موافقة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على صفقة بقيمة 75 مليون دولار لتزويد البحرية الإسبانية بنظام سونار لكشف الألغام البحرية. وتندرج الصفقة ضمن مشتريات عسكرية أمريكية تجاوزت قيمتها الإجمالية 7.1 مليارات دولار منذ وصول بيدرو سانشيز إلى رئاسة الحكومة سنة 2018، وتشمل أنظمة صواريخ «باتريوت» بقيمة 2.8 مليار دولار، وتحديث فرقاطات «إيجيس» بنحو 1.7 مليار دولار، فضلاً عن مروحيات «سي هوك» وصواريخ «هيلفاير».
وفي مقابل هذا التسلح الإسباني، يلاحظ بنيس غياب ردود الفعل المغربية المبالغ فيها، مؤكداً أن لكل دولة ذات سيادة الحق في تطوير قدراتها الدفاعية وحماية مصالحها. كما يشدد على أن المغرب لا يعتبر إسبانيا عدواً، بل شريكاً استراتيجياً، رغم الخلافات القائمة بين البلدين.
ويرى الكاتب أن جزءاً من التصعيد الإعلامي الإسباني تحركه حسابات تجارية وانتخابية، إذ يساهم انتقاد المغرب في استقطاب القراء وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، فضلاً عن توظيف القضية في الخطاب السياسي لبعض التيارات اليمينية، خصوصاً الحزب الشعبي وحزب «فوكس».
واستشهد المقال باستطلاع نشرته منصة «بوليتيكو»، أظهر أن نحو 60 في المائة من الإسبان يتوقعون اندلاع مواجهة عسكرية مع المغرب على خلفية سبتة ومليلية المحتلتين، معتبراً أن مثل هذه المخاوف تتغذى أحياناً من التغطيات الإعلامية المتوترة، في وقت يواصل فيه المغرب، بحسب الكاتب، تفضيل التهدئة على التصعيد.
غير أن بنيس يعتبر أن جوهر المشكلة يتجاوز الخلافات الثنائية إلى صعوبة تقبل بعض الأوساط الإسبانية للتحول الذي عرفه موقع المغرب إقليمياً ودولياً. فبعد عقود من علاقات اتسمت، وفق تحليله، بنوع من اختلال موازين التأثير، أصبحت المملكة أكثر استقلالية في قراراتها، وأكثر قدرة على تنويع شراكاتها بعيداً عن أي وصاية خارجية.
ويبرز هذا التحول، بحسب المقال، في تحديث الترسانة العسكرية المغربية، من خلال إدخال مقاتلات «إف-16 فايبر» ودبابات «أبرامز» ومروحيات «أباتشي»، إلى جانب خارطة الطريق العسكرية المغربية الأمريكية الممتدة إلى سنة 2036. كما يشير إلى أن الولايات المتحدة توفر نحو 60 في المائة من واردات المغرب من الأسلحة، في إطار شراكة دفاعية متنامية.
ولا يقتصر صعود المغرب على الجانب العسكري، بل يشمل أيضاً مكانته في سوق الفوسفاط، وإمكاناته في مجال الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ والسكك الحديدية فائقة السرعة، فضلاً عن الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء، وهي عوامل تعزز موقع المملكة بوصفها شريكاً استراتيجياً وبوابة اقتصادية نحو إفريقيا.
ويربط الكاتب جانباً من الحساسية الإسبانية تجاه المغرب برواسب تاريخية وصور نمطية متوارثة، مستحضراً أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، التي تحولت إلى مواجهة دبلوماسية وعسكرية محدودة، رغم صغر مساحة الجزيرة، وما رافقها من خطاب إسباني تصعيدي.
ويذهب المقال إلى أن بعض التصورات السائدة في إسبانيا لا تزال متأثرة بذاكرة تاريخية مرتبطة بفترة الأندلس وسقوط غرناطة سنة 1492، بما يغذي، وفق تحليله، صوراً نمطية عن الجار الجنوبي، ويجعل صعوده يُقرأ أحياناً باعتباره مصدر تهديد بدل اعتباره تحولاً طبيعياً في موازين القوى.
ويخلص بنيس إلى أن المفارقة تكمن في أن إسبانيا تبرر تعزيز قدراتها العسكرية باعتباره خياراً سيادياً مشروعاً، بينما يُنظر إلى خطوات المغرب في المجال نفسه بعين الريبة، رغم استمرار التفوق الإسباني من حيث حجم البحرية والميزانية العسكرية.
ويؤكد الكاتب أن مصدر الانزعاج الحقيقي لا يتمثل في تهديد مغربي لإسبانيا، بل في تحول المملكة إلى دولة أكثر استقلالية في قراراتها وتحالفاتها، لم تعد بحاجة إلى موافقة مدريد لتحديد مصالحها. ويرى أن تجاوز هذه العقلية يقتضي بناء علاقة قائمة على الندية والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق الوصاية والتوجس، بما يسمح للبلدين بالتعامل كشريكين متكافئين.