يشهد ملف الصحراء المغربية، بالتزامن مع اقتراب موعد مناقشة مجلس الأمن للقضية، زخما دبلوماسيا جديدا يتجسد في مواقف دولية متزايدة تنحو نحو دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، وهو ما تعكسه بوضوح الخطوة التي أعلنتها الشيلي، والتي لم تكتفِ بالتعبير عن دعمها لسيادة المملكة المغربية على كافة أراضيها، بما فيها الصحراء، بل اعتبرت مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 أساسا لحل سياسي عادل ومستدام ومقبول من الأطراف.
ويكتسي هذا الموقف أهمية إضافية بالنظر إلى صدوره في نيويورك وعلى هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي حضور الرئيس الشيلي خوسي أنطونيو كاست.
وتتجاوز دلالة الموقف الشيلي حدود الإعلان السياسي، بعدما ربطت سانتياغو دعمها بخطوات عملية على المستوى الثنائي، من خلال تأكيد استعدادها لتعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية في منطقة الصحراء المغربية، بما يشمل الاستثمار والتجارة والتنمية الإنتاجية.
وهذا المعطى يعكس انتقال عدد من المواقف الدولية من مجرد التعبير عن التأييد السياسي إلى ترجمتها عبر انخراط اقتصادي ومؤسساتي، بما يعزز حضور الأقاليم الجنوبية في العلاقات الدولية والشراكات الاقتصادية للمملكة.
ويأتي ذلك في سياق دولي سبق أن عرف تطورا لافتا داخل مجلس الأمن نفسه، إذ نص القرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025 على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء إلى غاية 31 أكتوبر 2026، مع التأكيد على أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لها، إلى جانب الدعوة إلى الانخراط في المحادثات دون شروط مسبقة.
كما أشار القرار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل حلا قابلا للتنفيذ، مع الإبقاء في الوقت نفسه على صيغة الحل السياسي النهائي والمتوافق عليه.
ومن هذه الزاوية، فإن الموقف الشيلي الجديد يندرج ضمن مسار أوسع يتسم بتنامي الحضور الدولي للمقترح المغربي، خصوصا عندما تقترن المواقف السياسية بمبادرات اقتصادية واستثمارية.
كما أن توقيع الشروط المرجعية لبدء التفاوض بشأن اتفاقية للتجارة الحرة بين الرباط وسانتياغو يضيف بعدا عمليا للعلاقات الثنائية، ويمنح الموقف المعلن بشأن الصحراء امتدادا اقتصاديا يمكن أن يعزز موقع الأقاليم الجنوبية داخل شبكة الشراكات الدولية للمغرب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بسبب توقيتها، إذ تأتي على بعد أيام من جلسة مجلس الأمن المرتبطة بالملف، في وقت يدخل فيه المسار الأممي مرحلة تتسم بارتفاع وتيرة التحركات الدبلوماسية حول مستقبل التسوية.
ومع ذلك، فإن مواقف الدول، مهما كان وزنها السياسي، لا تعني تلقائيا تغييرا في الوضع القانوني الدولي للملف، كما أن قرار مجلس الأمن السابق أبقى على عناصر متعددة في صياغة التسوية، من بينها ضرورة أن يكون الحل سياسياً ونهائيا ومقبولا من الأطراف وأن ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة.
وبذلك، تبدو الرباط أمام لحظة دبلوماسية تتقاطع فيها ثلاث مسارات متوازية: اتساع دائرة الدول التي تعلن دعمها للمقترح المغربي، تنامي الانخراط الاقتصادي في الأقاليم الجنوبية، واستمرار تثبيت الحكم الذاتي ضمن النقاش الأممي حول الحل السياسي.
وبينما تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن وما ستفرزه مداولاته المقبلة، فإن أهمية التطورات الأخيرة تكمن أساسا في كونها تعزز الزخم السياسي المحيط بالمقترح المغربي، دون أن تحسم بمفردها مآل المسار الأممي الذي يظل مرتبطا بمواقف الأطراف وبمضمون القرارات والمفاوضات المقبلة.