تراجعت وزارة التربية الوطنية الجزائرية عن قراراتها الأخيرة الخاصة بإصلاح التعليم الثانوي، عقب جدل إيديولوجي وسياسي حاد شهدته البلاد خلال صيف 2026. وألغت الوزارة، عبر قرار رسمي صادر في 9 شتنبر الجاري، الترتيبات المؤرخة في 28 يوليوز والتي تضمنت التخلي التدريجي عن نظام “الجذع المشترك”، وحذف مادة الفلسفة من السنة الثالثة ثانوي لعدة شعب علمية وتقنية، وتقليص معامل اللغة الفرنسية، مع العودة للعمل بالمنظومة المعتمدة منذ عام 2006.
وجاء هذا التراجع التنظيمي السريع عقب تدخل مباشر من الرئيس عبد المجيد تبون خلال اجتماع مجلس الوزراء، حيث شدد على ضرورة إبعاد المؤسسة التربوية عن التيارات الإيديولوجية والصراعات السياسية، وإبقاء النقاش في إطاره البيداغوجي.
وعلى إثر التوجيهات الرئاسية، ترأس وزير التربية، محمد الصغير سعداوي، ندوة وطنية لمتابعة تطبيق التعليمات لحماية المدارس من التطرف والعنف الفكري، رغم دفاعه السابق عن التعديلات باعتبارها خطوة لمنح مساحة أكبر للمواد الأساسية المميزة لكل تخصص.
وفجرت التعديلات الملغاة انقساما حادا، حيث طالبت قيادات سياسية، كالأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، بتأجيل الإصلاحات وفتح حوار وطني مع الخبراء لحماية العقل النقدي ومكانة الفلسفة.
وفي المقابل، يلف الغموض مصير الترتيبات المعلنة للتعليم الابتدائي الخاصة بتأخير تدريس الفرنسية للسنة الرابعة واعتماد الإنجليزية بدءا من السنة الثالثة، إذ لم يتطرق قرار الإلغاء الأخير لغير الطور الثانوي، مما يطرح تساؤلات بيداغوجية مع اقتراب الدخول المدرسي.
ويعكس هذا التراجع السريع عمق الصراع التاريخي بين التيارين المحافظ والحداثي حول المدرسة والمناهج والخيارات اللغوية منذ استقلال البلاد.
وتؤكد هذه التطورات صعوبة إحداث إصلاحات هيكلية في القطاعات الحساسة بالجزائر، حيث تتحول المقاربات التربوية والسياسية بانتظام إلى ساحة تجاذب حول الهوية، مما يجعل التغيير المؤسسي ملفا معقدا يتعثر أمام الحساسيات الإيديولوجية.