قررت غرفة التحقيق بمحكمة الاستئناف في باريس الإبقاء على الموظف القنصلي الجزائري رهن الحبس المؤقت، مؤيدة موقف النيابة العامة التي أبدت مخاوفها من احتمال التأثير على الشهود، ومتجاهلة توصيات النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب بالإفراج المشروط عنه.
وتعود وقائع القضية إلى ربيع سنة 2025، حين أوقفت السلطات الفرنسية المسؤول القنصلي للاشتباه في مشاركته باختطاف المؤثر الجزائري “أمير دي زاد” عام 2024؛ وهو الإجراء الذي رفضته الجزائر بشدة، متمسكة بتمتع موظفها بالحصانة الدبلوماسية وفق اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، ومعتبرة توقيفه خرقا للأعراف الدولية.
وأحدث هذا الملف القضائي شرخا دبلوماسيا عمقا بين البلدين، وتطور سريعا إلى طرد متبادل لأربعة وعشرين موظفا دبلوماسيا، فضلاً عن تجميد التعاون الأمني والقضائي وتأثر ملفات الهجرة. وجاءت تصريحات المدعي الفرنسي لمكافحة الإرهاب بشأن تحقيقات “إرهاب الدول” لتزيد الاستياء الجزائري وتعمق الفجوة.
وفي البعد التحليلي للأزمة، تتخوف الأوساط القانونية من تحول الموظف الجزائري إلى “ورقة تفاوض” سياسية مقابل الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحتجز في الجزائر بتهمة “تمجيد الإرهاب”. ومع صيرورة الحكم بالسجن سبع سنوات بحق غليز نهائيا، بات الطريق مغلقا قضائيا ومفتوحا سياسيا أمام عفو رئاسي محتمل من الرئيس الجزائري.
وتأتي هذه التطورات القضائية المتلاحقة لتعيد العلاقات الفرنسية الجزائرية إلى مربع الاحتباس السياسي المزمن، مجهضةً مؤشرات الانفراج النسبي التي لاحت في الأفق عقب تبادل الزيارات الرفيعة مؤخرا، وأبرزها زيارة وزير الداخلية الجزائري السعيد سعيود إلى باريس.
ويُظهر المشهد الراهن أن تداخل الملفات القضائية بالصراعات السياسية يعزز أزمة الثقة المتبادلة؛ إذ تحولت أروقة المحاكم إلى ساحة تصفية حسابات دبلوماسية غير مباشرة.
ورغم الرغبة المعلنة من الطرفين لإعادة بناء الجسور، تبرهن التعقيدات الحالية على أن إرث الخلافات التاريخية والملفات الأمنية المستجدة يمتلكان القدرة على كبح أي تقارب حقيقي، مما يترك مستقبل العلاقات معلقا بين مطرقة السيادة القضائية وسندان المناورات الدبلوماسية.