لم تعد عطلة الصيف في الجزائر مساحةً للبهجة والترويح عن النفس بالنسبة للأطفال، بل تحولت إلى حلقة جديدة من مسلسل معاناة بيئية وصحية ممتد على مدار الفصول الأربعة.
فمع حلول موسم الاصطياف، تشهد العيادات الطبية والمستشفيات الساحلية تدفقا مقلقا للأطفال العائدين من الشواطئ، لا يحملون في جعبتهم ذكريات مرحة بل أعراضا مرضية قاسية كالإسهال الحاد والقيء والناجمين عن حمى شديدة، فيما بات يُعرف في الأوساط الشعبية بـ”فيروس البحر”.
ويشير تحليل هذه الظاهرة المتجددة إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في طبيعة مياه البحر ذاتها، بل في التلوث البشري الصارخ وتدفق مخلفات الأودية وقنوات الصرف الصحي وغياب الرقابة الدورية، مما يجعل الأطفال، بسبب ضعف مناعتهم وسلوكياتهم العفوية في ابتلاع المياه أثناء اللعب والغوص، الضحية الأولى لإهمال المحيط البيئي وتردي الخدمات الأساسية في فضاءات الاستجمام المفترضة.
هذه المعاناة الصيفية المرتبطة بالعطلات ليست معزولة عن سياق أعم وأعمق يلاحق الطفولة الجزائرية بانتظام، إذ يتبادل الصيف والشتاء الأدوار بدقة في إنتاج الأزمات الصحية والنفسية لهؤلاء الصغار المعذبين.
فإذا كان البحر صيفا يتربص بأمعائهم وأجسادهم بفعل الأوبئة المعوية والتهابات العيون الناتجة عن الاكتظاظ المفرط وسوء تسيير الرمال والمحيط، فإن فترات المدارس خلال فصل الشتاء تفتح جبهة أخرى موازية من المعاناة والمشقة، حيث يواجه التلاميذ، خاصة في المناطق الداخلية والقرى النائية المعزولة، بردا قارسا وظروفاً مناخية قاسية داخل حجرات دراسية تفتقر لأدنى وسائل التدفئة المركزية وصيانة النوافذ، فضلا عن كابوس التنقل اليومي عبر مسالك وعرة وغير آمنة لمسافات طويلة.
ويضع هذا التناقض الفصلي العجيب الطفل الجزائري في حالة مواجهة مفتوحة ومستمرة مع أمراض الجهاز التنفسي والإنفلونزا الحادة شتاء، والتهابات الأمعاء الحادة والتسممات صيفا، مما يعكس ضعفا هيكليا واضحا في منظومة الرعاية الحمائية الشاملة.
ويتضح من خلال الرصد التحليلي لمسار حياة هؤلاء الأطفال أن العطل المدرسية والرحلات التي يفترض بها تفتيح عقولهم وتجديد طاقاتهم، أصبحت عبئا نفسيا وصحيا ثقيلا على كاهل العائلات والمنظومة الطبية على حد سواء.
ويكشف الانتقال القسري من الاكتظاظ المدرسي الخانق شتاء إلى الاكتظاظ الشاطئي العشوائي صيفا، دون توفير بيئة صحية وتنموية آمنة ومدروسة، عن فجوة استراتيجية في التعاطي مع حقوق الطفولة الأساسية.
فالطفل في الجزائر يجد نفسه محاصرا بمرارة بين مطرقة التحصيل العلمي الصعب في ظروف شتوية بائسة، وسندان الترفيه الصيفي الملغوم بالأوبئة والفيروسات، في غياب أي تدخل مؤسساتي يتجاوز منطق الحلول الترقيعية المؤقتة.