يشهد ميناء الدار البيضاء منذ أسابيع حالة اختناق لوجستي غير مسبوقة، بعدما تجاوز عدد السفن التجارية المنتظرة في عرض البحر عتبة 60 سفينة، وسط تأخر كبير في عمليات الرسو وتفريغ الشحنات، ما حول الواجهة البحرية للعاصمة الاقتصادية إلى ما يشبه “طابورا عائما” من الناقلات والبواخر التجارية.
وباتت الأزمة واضحة للعيان من الأحياء الساحلية للمدينة، في وقت يعيش فيه المهنيون والمستوردون حالة استنفار متواصلة بسبب التراكم الحاد في حركة الملاحة البحرية، خاصة بالنسبة لسفن الحبوب والأعلاف والحاويات التجارية.
وترجع أسباب هذا الازدحام إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها الاضطرابات الجوية التي شهدتها المملكة خلال الأشهر الماضية، والتي تسببت في إغلاق متكرر للميناء وتعليق عمليات الشحن والتفريغ في أكثر من مناسبة، ما خلف تراكمات لوجستية لم يتم تجاوزها إلى حدود اليوم.
كما ساهم الضغط المتزايد على محور الدار البيضاء-طنجة الصناعي في ارتفاع حجم الواردات بشكل غير مسبوق، خصوصا مع تنامي الطلب على المعدات الصناعية والمواد الأولية، في وقت يشتغل فيه ميناء طنجة المتوسط بطاقته القصوى، الأمر الذي دفع جزءا من الحركة البحرية نحو ميناء الدار البيضاء.
ووفق معطيات مهنية، فإن قطاع الحبوب والأعلاف يعد الأكثر تضررا من الأزمة، بعدما اصطفت عشرات السفن المحملة بالمواد السائبة قبالة السواحل في انتظار الحصول على ترخيص التفريغ، وسط بطء كبير في معالجة الحمولات وإخراجها من الميناء.
ولا يرتبط الاختناق فقط بعدد السفن الوافدة، بل أيضا ببطء عمليات التخزين والنقل والمعالجة داخل الميناء، حيث تستمر الحاويات في البقاء لأيام طويلة داخل الأرصفة والمستودعات بسبب تعقيد المساطر الإدارية وطول إجراءات المراقبة والتحاليل، إلى جانب توقف بعض خدمات شركات الشحن خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وتسببت هذه الوضعية في ارتفاع كبير في تكاليف التأخير المفروضة على السفن، والتي تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات يوميا، ما يهدد بانعكاسات مباشرة على أسعار السلع والمواد المستوردة، فضلا عن مخاوف من اضطراب سلاسل التوريد وتباطؤ نشاط عدد من الوحدات الصناعية.
ويحذر مهنيون من استمرار الأزمة خلال الأسابيع المقبلة، في ظل غياب حلول فورية قادرة على تخفيف الضغط عن ميناء الدار البيضاء، مطالبين بتسريع مشاريع الموانئ الجافة وتوسيع البنيات اللوجستية وربطها بشبكات النقل، لتفادي تكرار مشاهد الازدحام البحري التي باتت تهدد التوازن التجاري والاقتصادي للمملكة.