فاس.. مدينة عريقة تحولت مبانيها إلى قنابل صامتة

أعادت فاجعة انهيار العمارة السكنية بحي عين النقبي بمدينة فاس، والتي خلفت قتلى وجرحى، فتح واحد من أكثر الملفات العمرانية حساسية بالمغرب، والمتعلق بالبنايات الآيلة للسقوط والأحياء التي تنمو خارج شروط السلامة والتخطيط الحضري. فالحادث لم يكن مجرد واقعة معزولة، بل حلقة جديدة ضمن سلسلة طويلة من انهيارات المباني التي ظلت فاس تتصدرها خلال السنوات الأخيرة، ما يطرح سؤالا ملحا: لماذا تتكرر هذه الكوارث في فاس بالضبط؟.

الجواب يرتبط أولا بالطبيعة العمرانية الخاصة للعاصمة العلمية، التي تضم واحدة من أقدم المدن العتيقة بالمغرب، إلى جانب أحياء شعبية كثيفة تشكلت عبر عقود طويلة في ظروف اجتماعية واقتصادية معقدة. فالكثير من البنايات، سواء داخل المدينة القديمة أو بالأحياء الهامشية، شُيدت منذ عقود دون احترام المعايير التقنية الحديثة، فيما تعرضت أخرى لتصدعات وإضافات عشوائية أفقدتها توازنها الهندسي.

وتحولت أحياء عديدة بفاس إلى بؤر حقيقية للخطر بسبب هشاشة البنايات وتقادمها، في وقت تعجز فيه الأسر الفقيرة عن تحمل تكاليف الترميم أو الانتقال إلى سكن بديل. كما أن عددا كبيرا من السكان يفضلون البقاء داخل هذه المنازل رغم التحذيرات، لغياب بدائل اجتماعية حقيقية، وهو ما يجعل المدينة تعيش فوق شبكة من “القنابل الصامتة” القابلة للانهيار في أي لحظة.

ولا يتعلق الأمر فقط بالبنايات القديمة، بل أيضا بظاهرة التوسع العمراني غير المنظم، حيث شهدت بعض المناطق خلال السنوات الماضية انتشار بنايات عشوائية أو توسعات غير قانونية أضيفت فوق منازل متهالكة، ما ضاعف من خطورة الوضع. ويؤكد متابعون أن ضعف المراقبة في بعض الفترات، إلى جانب التراخي في تنفيذ قرارات الإخلاء والهدم، ساهم في استمرار هذا المشهد الخطير.

ويرى مهتمون بالشأن العمراني أن فاس تعاني أيضا من اختلالات مرتبطة بطبيعة النسيج الاجتماعي داخل الأحياء القديمة، حيث تتداخل الملكيات العقارية المعقدة مع ضعف المداخيل وهزالة السومة الكرائية، ما يجعل الملاك يرفضون الإنفاق على الصيانة، بينما يعتبر المكترون أن الترميم ليس من مسؤوليتهم، لتبقى البنايات معلقة بين الإهمال والخطر.

كما أن المدينة، بحكم تاريخها وكثافتها السكانية، تواجه ضغطا عمرانيا متزايدا يصعب معه التدخل السريع لإعادة تأهيل الأحياء المهددة. ورغم البرامج التي أطلقت خلال السنوات الماضية لترميم الدور الآيلة للسقوط، إلا أن حجم الخطر مازال أكبر من وتيرة المعالجة، خاصة مع تزايد البنايات المتضررة بفعل الزمن والرطوبة والتشققات.

فاجعة فاس الأخيرة أعادت النقاش بقوة حول مسؤولية مختلف المتدخلين، من سلطات محلية ومجالس منتخبة ووكالات حضرية، في مراقبة وضعية المباني واتخاذ قرارات استباقية قبل وقوع الكوارث. كما أعادت طرح مطلب إحداث قاعدة بيانات وطنية دقيقة للبنايات المهددة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ملفات البناء العشوائي أو التغاضي عن الخروقات العمرانية.

وبين مدينة تحاول الحفاظ على تاريخها العريق، وسكان يواجهون قسوة الهشاشة الاجتماعية، تبقى فاس واحدة من أكثر المدن المغربية عرضة لفواجع انهيار المباني، في انتظار حلول جذرية تنقل الملف من منطق التدخل بعد الكارثة إلى سياسة الوقاية وحماية الأرواح.

مقالات ذات الصلة

25 مايو 2026

سد المسيرة يعود إلى الحياة بعد سنوات الجفاف ويبلغ أعلى نسبة ملء منذ 9 سنوات

25 مايو 2026

أكادير: تخليد الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني

25 مايو 2026

مولاي رشيد يترأس حفل عشاء أقامه جلالة الملك بمناسبة الدورة الـ 50 لجائزة الحسن الثاني للغولف

25 مايو 2026

جلالة الملك يصدر عفوه السامي على المشجعين السنغاليين بمناسبة حلول عيد الاضحى