يكشف تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي عن صورة متباينة لوضعية الدين العمومي في عدد من الدول العربية، حيث تتجاور نماذج مالية مستقرة نسبيا مع أخرى تواجه ضغوطا متزايدة مرتبطة بارتفاع المديونية وتقلص هامش المناورة الاقتصادية. ويبرز في هذا السياق تفاوت واضح بين دول الخليج التي تحافظ على مستويات دين منخفضة نسبيا، ودول أخرى في شمال إفريقيا، وعلى رأسها الجزائر، التي يتوقع أن تواجه مسارا أكثر تعقيدا على مستوى الاستدامة المالية.
وتظهر التوقعات الخاصة بسنة 2030 أن دولا مثل الإمارات العربية المتحدة بنسبة تقارب 28%، وعمان بـ30%، وقطر بـ36%، والكويت بـ37%، إضافة إلى موريتانيا بـ38%، ستواصل الحفاظ على نسب دين عمومي تعتبر في المجمل ضمن مستويات قابلة للتحكم، وهو ما يعكس قوة الاحتياطات المالية واعتماد نماذج اقتصادية أكثر تنوعا أو استقرارا نسبيا في الموارد.
في المقابل، يلفت التقرير الانتباه إلى الوضعية المالية في الجزائر، حيث يثير المسار التصاعدي للمديونية قلقا متزايدا لدى عدد من المتابعين، في ظل استمرار اعتماد الاقتصاد بشكل كبير على عائدات المحروقات، وما يرافق ذلك من هشاشة أمام تقلبات الأسواق العالمية للطاقة. كما يشير هذا الوضع إلى تقلص تدريجي في هامش المناورة المالية للدولة، خاصة مع استمرار الضغوط الاجتماعية وتزايد متطلبات الإنفاق العمومي.
ويضع هذا التباين الإقليمي مسألة تدبير المالية العمومية في صلب النقاش الاقتصادي، حيث تطرح إشكالية القدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو والاستقرار الاجتماعي من جهة، وضبط المؤشرات المالية من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، يبرز المغرب كنموذج يعتمد مقاربة مختلفة نسبيا، تقوم على تنويع القاعدة الاقتصادية، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وتفعيل إصلاحات هيكلية تدريجية، إلى جانب العمل على تحسين توازنات المالية العمومية.
هذا الاختلاف في المسارات يعكس، وفق قراءات اقتصادية، تباينا في نماذج الحكامة الاقتصادية بين الدول، حيث لا يتعلق الأمر فقط بحجم الدين، بل أيضا بطبيعة السياسات العمومية المتبعة وقدرتها على خلق نمو مستدام وتقليص الاعتماد على مصدر واحد للدخل.