مع مطلع العام الجديد، عادت قضية التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية في جنوب إفريقيا إلى الواجهة، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على نهاية نظام الأبارتيد. هذه القضية تكتسي أهمية خاصة عشية الانتخابات المحلية المرتقبة، التي ستحدد ملامح المشهد السياسي المقبل، في وقت يشهد فيه حزب المؤتمر الوطني الإفريقي تراجعا في شعبيته واضطراره لتشكيل حكومة ائتلافية بعد فقدانه الأغلبية المطلقة في البرلمان سنة 2024.
وقد ساهمت سياسات التمكين الاقتصادي للسود، التي أُطلقت بعد 1994 بغرض تصحيح اختلالات نظام الأبارتيد، في خلق فرص اقتصادية محدودة للفئات السوداء، لكنها أثارت جدلا واسعا حول فعاليتها، الهدف الأساسي من هذه السياسات كان تعزيز المشاركة الاقتصادية للسود، وتوزيع الثروة بشكل أكثر عدلاً، إلا أن التطبيق العملي كشف عن نتائج متباينة، حيث استفادت نخبة صغيرة مرتبطة بالدوائر السياسية، بينما ظل الفقر والبطالة يطبعان حياة أغلب المواطنين السود.
تشير بيانات حديثة إلى أن نسبة البطالة بين السود تصل إلى 35.8٪ مقابل 8.1٪ لدى البيض، في حين يتجاوز متوسط دخل الأسر البيضاء ستة أضعاف دخل الأسر السوداء.
كما أظهرت الدراسات أن أكثر من نصف السكان يفضلون إلغاء قانون التمكين الاقتصادي تدريجيا، والاعتماد على معايير الاستحقاق والقدرة في التعيينات والترقيات، دون تمييز عرقي، معتبرين أن سياسات التمكين قد أضرّت أكثر مما أفادت، وأعاقت بناء قوة عاملة متنوعة وشاملة.
في المقابل، هناك من يرى أن التمكين الاقتصادي منح السود فرصا حقيقية للدخول في قطاع التعدين والمال، وفتح المجال أمام مبتكرين وأصحاب مشاريع ليصبحوا فاعلين اقتصاديين، مؤكدين أنه إجراء ضروري لمعالجة الاختلالات التاريخية وضمان العدالة الاجتماعية. ويعتبر المؤيدون أن هذه السياسات أساسية لتقليص الفجوات البنيوية وإعادة التوازن إلى الاقتصاد والمجتمع.
ومع استمرار الجدل، تظل جنوب إفريقيا تواجه تحديا مزدوجا، الحفاظ على العدالة التصحيحية للفئات المهمشة تاريخيا، وفي الوقت نفسه، معالجة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي ما زالت تعيق تحقيق مجتمع متكافئ وشامل، أمة “قوس قزح” إذن، ما زالت تبحث عن التوازن بين الماضي الذي خلفه الأبارتيد ومستقبل يضمن لكل مواطن فرصة عادلة في المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.