يجد النظام العسكري الجزائري نفسه مرة أخرى في موقف لا يحسد عليه، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قرب استئناف العلاقات الدبلوماسية بين تونس وإسرائيل. هذا التطور سيضع الجنرالات في الجزائر في مأزق حقيقي، إذ سيتعين عليهم إما التصرف وفقا لشعاراتهم الشعبوية المعتادة أو الكشف عن ازدواجيتهم الفاضحة.
لطالما قدم النظام العسكري الجزائري نفسه على أنه الحارس الأمين للقضية الفلسطينية، متناسيا أن مواقفه لا تتجاوز بيانات جوفاء وتصريحات للاستهلاك الداخلي، بينما يسارع إلى تمتين علاقاته السرية مع جهات يعلمها الجميع. الآن، ومع انضمام تونس إلى ركب الدول المطبعة، يبقى السؤال: ماذا سيفعل النظام الجزائري؟
هل سيلجأ إلى أسلوبه المفضل بقطع العلاقات؟ فقد سبق له أن قطع العلاقات مع المغرب بحجة التطبيع، رغم أن السبب الحقيقي كان فشله في احتواء أزماته الداخلية وإخفاقاته الدبلوماسية المتكررة. فهل سيكرر السيناريو مع تونس؟ أم أن “الأخوة المغاربية” التي يتغنى بها ستتحول فجأة إلى غضب واتهامات بالتآمر؟
ثم ماذا عن الغاز والكهرباء؟ هل سيقدم النظام العسكري على معاقبة تونس بقطع إمدادات الطاقة كما فعل سابقا مع إسبانيا عندما خرجت عن الطاعة واعترفت بمغربية الصحراء؟ أم أن ( الكفاح من أجل فلسطين) سيقف عند حدود المصالح الاقتصادية؟ إذا كان النظام صادقا في مواقفه، فلننتظر منه قرارا ثوريا بوقف إمدادات الغاز إلى تونس، لكن من الواضح أن الجنرالات لا يملكون الجرأة لمثل هذه الخطوة، لأنهم يدركون أن سياسة العقوبات الارتجالية قد ترتد عليهم في أي لحظة.
أما عن الخطوة الأكثر كوميدية، فهل سنرى الجزائر تحتج رسميا ضد واشنطن؟ هل سيصدر بيان ناري يندد بمؤامرة أمريكية “لتطويق الجزائر بدول مطبعة”؟ ربما يعيد نظام شنقريحة وتبون المسرحية القديمة، عبر تصريحات نارية في إعلامه الرسمي، في حين يستمر في شراء القمح الأمريكي واستيراد الأسلحة الروسية دون أي حرج.
الحقيقة أن النظام الجزائري ليس أمامه الكثير من الخيارات، فهو عالق بين ادعاءاته المثالية التي لم يعد يصدقها أحد، وبين الوقائع السياسية التي تفرض عليه التعايش مع واقع جديد. وبما أن لغة المصالح هي التي تحكم العلاقات الدولية، فلن يكون مستغربا أن يبلع الجنرالات ألسنتهم هذه المرة، ويتجاهلوا ما يجري في تونس، كما تجاهلوا قبله التطبيع التركي والإماراتي والمصري. فالمزايدات لها حدود، وحتى الكذب يحتاج إلى بعض الاتزان كي لا ينقلب على أصحابه.
