الجزائر بين إشكالية الدولة وأزمة النظام وبين أزمة التاريخ إشكالية الجغرافيا “الجزء الأول”

ساهم النظام العسكري الإنقلابي بالجزائر في استمرار إشكالية الدولة، والإضرار بالضّمير الجمعي الجزائري. ومن معاناته أزمة الشرعية، وهشاشته المؤسساتية بين قيم الأداء السياسي للنظام وقيم البناء السّياسي للدّولة، الراضخة لأزمة الشرعية السياسية

لان الجزائر تعرف أزمة تاريخ وإشكالية جغرافيا، فقبول الحدود الموروث عن الإستعمار كحغرافية لكيان الجزائرالفتية، تنسف تاريخ الجزائر،، والبحث في التاريخ كمرجع لوجود دولة جزائرية تنسف حغرافيتها

هذه الازمة كواقع، هو اساس اضطراب النظام الجزائري الخوض في التاريخ، لما يشكله من أزمة داخلية وإقصاء لجزائريي جغرافية الجزائر، بالدرجة الأولى قبل أن يكون مشكلة حدود،

((وهو ما تجسده متاهة المرادية في هذه الازمة التاريخية، في شخص عبد المجيد تبون، بين إيالة الجزائر العثمانية (تصريحه بالبرتغال) التي تتواجد بالشريط الساحلي بين تونس والمغرب، في إقصاء لجزائريي إقليم الصحراء بأجزائه الثلاث: الساورة وتوات والواحات التي تتعلق بدول الجوار. كما أكدها لويس جوكس Luis Jox،بأن إقليم الصحراء مسألة معقدة، وتمس مصالح دول كثيرة، وفرنسا مستعدة للتفاوض معهم ومع الجزائر،، عندما طرح الطرف الفرنسي تقرير مصير الشمال (أي المقاطعات الثلاث: وهران، الجزائر، قسنطينة، التي يحدها خط موريس)، دون الصحراء، في مفاوضات إيفيان الأولى (20 ماي/ 30 يونيو 1961)
لان فرنسا تعتبر أن الصحراء إقليم منفصل عن الجزائر، هي رغبة في تحقيق ديمومة الاحتلال الفرنسي، والحفاظ على الجزائر الفرنسية، التي تعتبر حقا مكتسبا بموجب مرسوم.
[جمآل قنديل، الصحراء الجزائرية في صلب مفاوضات إيفيان 60-62، جامعة الشلف، ص-ص: 39-34].

على أساس أنها حسب وليام شالر، كانت تحد القسم الذي يسمى باسم عاصمته في بلاد البربر (أي إيالة الجزائر العثمانية)، من الغرب إمبراطورية المغرب الأقصى، ومن الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق الأراضي التونسية، ومن الجنوب الصحراء الكبرى.
فحدوده غرب منطقة “طونت”، وتبعد 40 ميلا من نهر ملوية الكبير، ومن هنا المسافة حتى طبرقة التي تقع عند مصب نهر صغير، تبلغ حوالي 500 ميلا، أما العرض في اتجاه تلمسان لا يتجاوز 40 ميلا، ومن مدينة الجزائر 60 ميلا، وأن متوسط 60 ميلا عرض الإيالة من البحر الأبيض المتوسط حتى الصحراء، وهذا الإمتداد هو ما يسميه العرب “التل”.
[مذكرات وليام شالر، (قنصل أمريكا في الجزائر 1815-1824،، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982،ص-ص: 27-28]

لانه قبل العهد العثماني بإيالة الجزائر، لم يكن هناك وجود لشي ء اسمه دولة بالجزائر، وهو ما أكده شيخ المؤرخين بالجزائر، أبو القاسم سعد الله، بأن: “الجزائر لم تكن دولة قائمة بذاتها (ذات سيادة)، في القرن 16، حتى نقول أن العثمانيين أسقطوا تلك الدولة وحلوا هم محلها، ونصبوا أنفسهم مستعمرين او محتلين”.
[أبو القاسم سعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج: 4، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى1996،بيروت، ص: 188].

أأو بين مؤسس الدولة الجزائرية الأمير عبد القاد (تصريحه بروسيا) في الغرب الجزائري بوهران وبومرداس، إذا تم التسليم بها كإمارة، وفق طرح النظام العسكري الجزائري مما يؤدي إلى أن جل جغرافية الكيان الجزائري ليس جزائرا،
أو بين قبول جغرافية المرسوم الفرنسي، كدولة صنيعة استعمارية))

لان الأراضي الجزائرية. حسب هيلين بليز، هي مساحة أعيد تصميمها وتوسيعها واختراعها باستمرار ، مساحة أعيد تشكيلها من خلال التوغل الاستعماري، كإبداع استعماري بحت ،
[هيلين بليز ، ميراج الخريطة. اختراع الجزائر المستعمرة ، القرن التاسع عشر والعشرين .
((مفكرة الحركة الاجتماعية LE MOUVEMENT Social, رقم 258- باريس ، فايارد ، 2014)) ]

فرسم خريطة الجزائر، كان حكراً على الجيش الفرنسي، كأداة أساسية في الإختراع الجغرافي للجزائر الفرنسية. بحدود عبثية ناتجة عن قرارات للجنود الفرنسيين؛ التي كانت ،من الناحية النظرية في حدود إيالة الجزائر العثمانية؛ بجعلها تختلف عن الدول الأفريقية، ضمن إطار محدد، اعتمد في بنائها كممتلكاته بشمال إفريقيا، على الخبرة في المجال الذي يتضمن عمليات المسح والقياس واختيار التمثيل.، للسيطرة والإستيلاء.

وهكذا تم إعادة رسم خريطة الجزائر باستمرار، بتوسع الغزو الفرنسي على حساب دول الجوار، خصوصا التوسع جنوب تل الجزائر (تل العرب)، بالصحراء لجعلها كيان جيوسياسي واختراع فرنسي، بعد أن كان يتصورها حلقة وصل بين المجموعتين الاستعماريتين: الجزائر وغرب إفريقيا الفرنسية، فاصطدم الجيش الفرنسي بمقاومة سكان الصحراء الشرقية المغربية التي تؤكد كل الوثائق الممضاة قبل سنة 1880، سواء من طرف الفرنسيين أو الإسبان، كانت تتعامل مع المغرب على أساس أن توات وكورارة وتيدكلت هي مناطق مغربية،.

باختراع معايير محددة للتمثيل، بعد المسح المكاني الضروري، من خلال التعديلات التي تعمل بها على مسألة حدود الجزائر التي أعيد ترسيم مسارها باستمرار، والتغييرات في أسماء المواقع الجغرافية، كأداة لإقصاء وحجب حقيقة السكان الأصليين، بخلق تغييرً اجتماعيً وجغرافيً

وهكذا حاولت نخبة جزائرية البحث عن بلورة مفهوم للكيان الجزائري ومكوناته، نظرا لكون “السيادة الخارجية تتأسس على أرض معينة مسبقًا، ولكن (الكيان الجزائري) تم بناؤه ”
فأصبح النظام العسكري الإنقلابي الحاكم تائها بين أزمة التاريخ إشكالية الجغرافيا،

فتطلعت النخبة الوطنية إلى البحث عن “الكيان الجزائري المستقل” في مناهضة النطام الفرنسي، أو بالتعاون معه، أو في إطاره؛ وبناء على هذه الإختيارات تحددت القوى السياسية ونصيبها من مضمون الإستقلال أو المشاركة أو الإلتحاق
[نور الدين ثنيو، إشكالية الدولة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت 2015، ص: 10].

فأول من بحث عن الكيان الجزائري، حركة الجزائر الفتاة، سنة 1912، حيث دعت لانخراط أهالي المسلمين (بالجزائر)، في إطار اجتماعي وسياسي يحدد وضعيتهم القانونية كما تقتضيها مؤسسات الدولة الفرنسية بالجزائر،، من واقع التمسك بمؤسسات الدولة الفرنسية. لكي يتم تعديل وضع الاهالي إلى مركز المواطنين، لأن الأهالي حسب حركة الجزائر الفتاة، إشكالية سياسية وإجتماعية.. طاولت إشكالية الهوية لبلورة مقومات الأهلي نحو وضع مواطن. لأن الاهلي تسري عليه القوانين الإستثنائية، وليس مرسوم 10 شتنبر 1874. ولكي لا يبقى الاهالي على الهامش، دعت حركة الجزائر الفتاة، للانحراط في التجنيد الإجباري، بعد صدور مرسوم التجنيد الإجباري للأهالي الجزائريين في 3 فبراير 1912، (ما يسمى معيار الحركيين الأوفياء لفرنسا). لكن رغم انخراط الاهالي في التجنيد، لم يرتقوا لدرجة مواطن، وهو ما تؤكده رسالة سكان الخروب بقسنطينة في 20 ماي 1912، يطلبون من فرنسا الفخمة بأن لا تتركهم في الدرجة الثالثة مذلولين ومنكسرين.

وفي 1933،ظهر نجم شمال إفريقيا لمصالي الحاج، وهو ذراع الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي تحوّل لحزب الشعب الجزائري سنة 1937، بانه: “حزب سياسي بدلا من جمعية، وشعب جزائري بدلا من مسلمي شمال إفريقيا.. لا انفصال ولا اندماج”
(نور الدين ثنيو. م، ص: 20).

أما فرحات عباس زعيم “تيار الإصلاح السياسي”، كان يرى أن حل المسألة الجزائرية في نظام فدرالي، كأفضل صيغة لإقامة علاقة محترمة بين الجزائر وفرنسا وبين الشعبين..-. نظام فدرالي في حده الادنى، وهو الإعتراف بالحريات المحلية

مقالات ذات الصلة

27 فبراير 2024

إصلاح مجلس حقوق الإنسان يكتسي أهمية مركزية (السيد زنيبر)

27 فبراير 2024

التوقيع بالرباط على اتفاقية حول القواعد الأخلاقية لحماية المعطيات الشخصية في الاستخدامات التكنولوجية

27 فبراير 2024

العيون .. تسليط الضوء على مبادرة جلالة الملك الرامية إلى تعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي

27 فبراير 2024

ستيفان سيجورني : فرنسا تدعم مخطط الحكم الذاتي وتؤكد أنه حان الوقت لتحقيق تقدم